الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٤٠والثالث: من عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها وانضم إلى ذلك أنه قصد الراحة منه بالبلدة التي وقع بها الطاعون، فهذا محل النزاع، إلى أن قال:
فمن منع نظر إلى صورة الفرار في الجملة، ومن أجاز نظر إلى أنه مستثنى من عموم الخروج فرارا الخ.
فذكر قصة أبي عبيدة حين كتب له عمر بن الخطاب: أن لي حاجة فلا تضع كتابي من يدك حتى تصل إلي فكتب إليه إني قد عرفت حاجتك وإني في جند من المسلمين، إلى أن قال: فهذا يدل على أن عمر رأى أن النهي عن الخروج إنما هو لمن قصد الفرار متمحضا، ولعله كانت له حاجة بأبي عبيدة في نفس الأمر فلذلك استدعاه وظن أبو عبيدة أنه إنما طلبه ليسلم من وقوع الطاعون به فاعتذر عن إجابته بذلك، إلى أن قال:
واحتجوا أيضا بالقياس على الفرار من المجذوم وقد ورد الأمر به كما تقدم، والجواب أن الخروج من البلد الذي وقع به الطاعون قد ثبت النهي عنه، والمجذوم وقد ورد الأمر بالفرار منه فكيف يصح القياس الخ.
قال العلقمي: قال شيخنا: وقد صرح ابن خزيمة في صحيحه بأن الفرار من الطاعون من الكبائر وأن الله يعاقب عليه من لم يعف عنه.
قال شيخنا: وقد اختلف في حكمة ذلك: فقيل: تعبد ولا يعقل معناه لأن الفرار من المهالك مأمور به، وقد نهى عن هذا فهو لسر فيه لا نعلم حقيقته، وقيل: هو معلل بأن الطاعون إذا وقع في البلد عم جميع من فيه بمداخلة سببه فلا يفيد الفرار منه، بل إذا كان أجله حضر فهو ميت سواء أقام أم رحل، وكذا العكس، ومن ثم كان الأصح في مذهبنا أن تصرفات الصحيح في البلد الذي وقع فيه الطاعون كتصرفات المريض مرض الموت فلما كانت المفسدة قد تعينت ولا انفكاك عنها تعينت الإقامة لما في الخروج من العبث الذي لا يليق بالعقلاء، وبهذا أجاب إمام الحرمين في النهاية، وأيضا لو توارد الناس على الخروج لبقي من وقع به عاجزا عن الخروج فضاعت مصالح المرضى لفقد من يتعهدهم والموتى لفقد من يجهزهم، ولما في خروج الأقوياء على السفر من كسر قلب من لا قوة له على ذلك، وقال ابن عبد البر: النهي عن الخروج للإيمان بالقدر، والنهي عن القدوم لدفع سلامة النفس.