الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٢قال ابن حجر: "وفي الحديث أنَّ الحنث في اليمين أفضل من التمادي، إذا كان في الحنث مصلحة، ويختلف باختلاف حكم المحلوف عليه، فإن حلف على واجب أو تركِ حرام فيمينه طاعة، والتمادي واجب، والحنث معصية، وعكسه بالعكس. وإن حلف على فعل نفل فيمينه أيضا طاعة والتمادي مستحبٌّ، والحنث مكروه.
وإن حلف على ترك مندوب فبعكس الذي قبله، وإن حلف على فعل مباح"، إلى أن قال:
وقال ابن الصباغ - وصوَّبه المتأخِّرون - إنَّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال، وإن كان مستوي الطرفين، فالأرجح أنَّ التمادي أولى. والله أعلم الخ.
وظاهر رواية المصنِّف رحمه الله أنَّ الكفَّارة يجوز تقديمها على الحنث، وذكر في الإيضاح رواية أخرى وبنى على ذلك سبب الاختلاف في جواز تقديم الكفَّارة على الحنث، حيث قال:
واتَّفقوا أيضا أنَّ كفارة الأيمان بعد الحنث، واختلفوا في سقوطها إذا قدَّمها قبل الحنث. قال بعضهم: إذا قدَّمها قبل الحنث ثم حنث لم يكن عليه إعادتها، وقال بعضهم لا يجزيه قبل الحنث.
وسبب اختلافهم ما روي أنَّه قال عليه السلام:» من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفِّر عن يمينه، وليأت الذي هو خير «وفي بعض الروايات:» وليأت الذي هو خير، فليكفِّر يمينه «.
والسبب الثاني أيضا اختلافهم هل يجوز تقديم الحقِّ الواجب قبل وقت وجوبه، كالزكاة قبل الحول، وقياسا أيضا على كفَّارة الظهار فإنها قبل الحنث بالنصِّ. والله أعلم انتهى.
وقال ابن حجر: «قال ابن المنذر رأى ربيعة والأوزاعي ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي أنَّ الكفَّارة تجزي قبل الحنث، إلاَّ أنَّ الشافعي استثنى الصيام، فقال: لا يجزي إلاَّ بعد الحنث، وقال أصحاب الرأي: لا تجزي الكفَّارة قبل الحنث الخ.
وأراد بأهل الرأي أبا حنيفة وأصحابه، وذكر من حجَّتهم أنَّ الكفَّارة بعد الحنث فرض، وإخراجها قبله تطوُّع، فلا يقوم التطوُّع مقام الفرض، وانفصل عنه من أجاز بأنَّه يشترط إرادة الحنث، وإلاَّ فلا يجوز كما في تقديم الزكاة.