الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٣وقال عياض: اتَّفقوا على أنَّ الكفارة لا تجب إلاَّ بالحنث، وأنَّه يجوز تأخيرها بعد الحنث، واستحبَّ مالك والشافعي والأوزاعي والثوري تأخيرها بعد الحنث، إلى أن قال: فاحتج للجمهور بأنَّ عقد اليمين لما كان يحلُّه الاستثناء، وهو كلام فلان، تحلُّه الكفَّارة وهو فعل ماليٌّ أو بدنيٌّ أولى، ويرجَّح قولهم أيضا بالكثرة.
وذكر أبو الحسن بن القصَّار وتبعه عياض وجماعة أنَّ عدَّة من قال بجواز تقديم الكفَّارة أربعة عشر صحابيا، وتبعهم فقهاء الأمصار إلاَّ أبا حنيفة الخ، فأطال في الرد عليه ثم قال: واحتج الشافعي بأنَّ الصيام من حقوق الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصلاة والصيام، بخلاف العتق والكسوة والإطعام فإنها من حقوق الأموال فيجوز تقديمها كالزكاة، إلى أن قال: قال المازري للكفارات ثلاث حالات: أحدها قبل الحلف فلا تجزي اتفاقا، ثانيها بعد الحلف والحنث فتجزي اتفاقا، ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف.
وقد اختلف لفظ الحديث فقدَّم الكفَّارة مرَّة وأخَّرها أخرى، لكن بحرف الواو الذي لا يوجب ترتيبا، ومن منع رأى أنَّها لم تجب فصارت كالتطوُّع، والتطوُّع لا يجزي عن الواجب.
وقال الباجي وابن التين وجماعة: الروايتان دالَّتان على الجواز؛ لأنَّ الواو لا تدلُّ على الترتيب، فلو كان تقديم الكفَّارة لا يجزي لأبانه ولقال:» فليأت، ثم ليكفِّر» لأنَّ تأخير البيان عن الحاجة لا يجوز، فلمَّا تركهم على مقتضى اللسان دلَّ على الجواز.
قال: وأمَّا الفاء في قوله: «فأت الذي هو خير، وكفِّر عن يمينك» فهي كالفاء الذي في قوله:» فكفِّر عن يمينك، وأت الذي هو خير «ولو لم تأت الثانية لما دلَّت الفاء على الترتيب؛ لأنَّها أبانت ما يفعله بعد الحلف، وهما شيئان: كفَّارة، وحنث. ولا ترتيب فيهما، وهما كمن قال: "إذا دخلت الدار فكل واشرب الخ"، فذكر أنَّ في بعض الروايات فكفِّر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير، بلفظ (ثم) التي تقتضي الترتيب، وأقول رواية الواو أولى لإفادتها جواز الأمرين من غير ترتيب. والله أعلم.
قوله:» من حلف يمينا على مال امرئ مسلم ليقطعه بها الخ «لفظه في بعض روايات البخاري» من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي