حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٢٦

فأمر غيره بالسؤال لأن فيه جمعا بن المصلحتين؛ استعمال الحياء، وعدم التفريط في معرفة الحكم، انتهى.

قوله: «ثم يتوضأ وضوء الصلاة» قال ابن حجر: واستدل بقوله: (توضأ) على أن الغسل لا يجب بخروج المذي، وصرح بذلك في رواية لأبي داود وغيره وهو إجماع، وعلى أن الأمر بالوضوء منه كالأمر بالوضوء من البول، إلى أن قال: حكى الطحاوي عن قوم أنهم قالوا بوجوب الوضوء بمجرد خروجه، يعني كما يجب الغسل بمجرد خروج المني وأنه تعبد، فالشارع أمر بذلك، ثم رد عليهم بما رواه من طريق عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن علي قال سأل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن المذي فقال: "فيه الوضوء وفي المني الغسل"، فعرف بهذا أن حكم المذي حكم البول وغيره من نواقض الوضوء إلا أنه يوجب الوضوء بمجرده، انتهى.

قوله: «لا يتوضأ من طعام أحل الله أكله» استدل به في الإيضاح على أن من أكل الميتة أو الدم أو لحم الخنزير لاضطراره لا ينتقض وضوءه، وكذلك إن أكل ما مست النار.

وأما ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "يتوضأ أحدكم مما مست النار"، وقوله صلَّى الله عليه وسلَّم على ما في بعض الكتب "الوضوء مما مست النار"، وقوله: "توضأوا مما مست النار" فالمراد به غسل اليد والفم منه، ومنهم من حمله على ظاهره وأوجب عليه وضوء الصلاة، قال النووي: ذهب جماهير العلماء من السلف إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل ما مسته النار، وممن ذهب إليه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وأبو الدرداء وابن عباس وابن عمر وأنس بن مالك وجابر بن سمرة وزيد بن ثابت وأبو موسى وأبو هريرة وأبي بن كعب وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وعائشة رضي الله عنهم، وهؤلاء كلهم صحابة، وذهب إليه جماهير التابعين، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى وأبي ثور وأبي خيثمة، وذهب طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعي وضوء الصلاة بكل ما مسته النار، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري والزهري وأبي قلابة وأبي مجلز، واحتج هؤلاء بحديث: "توضأوا مما مست النار"، احتج الجمهور بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مسته النار، وأجابوا عن حديث الوضوء "مما مست النار" بجوابين: أحدهما: أنه منسوخ بحديث جابر رضي الله عنه: "كان آخر

١٢٦ / ١٬٩٦٦