حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٥١

وفي بعضها: "لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين" الحديث. وفي بعضها: "لا يحلُّ لامرئ مسلم له مال" وهذه الرواية كرواية المصنف رحمه الله، أصعبها، لأنَّها تقتضي أنَّ من بات المدَّة المذكورة بغير وصية يكون عاصيا؛ لأنَّه مرتكب لما لا يحلُّ، لكن ينظر ما بلغ به عصيانه، ولعلَّ المراد المبالغة في المبادرة إلى الوصية؛ لأنَّ ظاهر القرآن يدلُّ على أنَّ وجوب الوصية إنَّما هو عند حضور الموت وظهور أسبابه.

والذي يدلُّ على أنَّه لا يعصي إذا كان يدين بالوصية وفاجأه الموت من غير وصية كلام صاحب الإيضاح رحمه الله حيث قال: "وإن مات ولم يوص فليس على الورثة شيء إلاَّ ما علموا به من تباعات الناس، فعليهم أن يقضوها لأربابها، والباقي فليأكله الورثة هنيًّا مريًّا، فليس عليهم منه شيء، إلاَّ إن كان وارثهم ممن يدين بالوصية، وهو من أهل الصلاح، ثم فاجأه الموت قبل أن يوصي، فينبغي لهم أن ينفقوا عليه شيئا من ماله".

وفي الأثر عن بعض علمائنا رحمهم الله أنَّ امرأته ماتت ولم توص، فقسَّم لها وصية، فسئل، فقال: إنَها كانت ممن تدين بذلك قبل هذا.

وروي أيضا مثل هذا عن جابر بن زيد عن عائشة أنَّها قالت: "جاء رجل إلى النبي عليه السلام فقال: يا رسول الله، إنَّ أمِّي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلَّمت لتصدقت أفأتصدَّق عنها؟ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم تصدق عنها" فدلَّ هذا من قولهم أنَّ الذي يدين بالتوبة تائب، وينفعه ذلك، والله أعلم. انتهى.

قوله:» لامرئ مسلم «الظاهر أنَّ المراد بالمسلم مطلق الموحِّد؛ لأنَّ الكلام مع أهل ملَّة الإسلام، وعند غيرنا جعلوا الحكم عامًّا.

قال ابن حجر: "والوصف بالمسلم خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، أو ذكر للتهييج لتقع المبادرة لامتثاله، لِما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك".

ووصية الكافر جائزة في الجملة، حكى ابن المنذر فيه الإجماع، وقد بحث فيه السبكي من جهة أنَّ الوصية شرعت زيادة في العمل الصالح، والكافر لا عمل له بعد الموت، وأجاب بأنَّهم نظروا إلى أنَّ الوصية كالإعتاق، وهو يصح من الذميِّ والحربيِّ. والله أعلم. انتهى.

١٬٢٧٣ / ١٬٩٦٦