حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٥٣

قال ابن حجر: "وكأنَّه ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا القدر ليتذكَّر ما يحتاج إليه، واختلاف الروايات فيه دالٌّ على أنَّه للتقريب لا للتحديد، والمعنى لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلا إلاَّ ووصيته مكتوبة".

وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير، وكان الثلاث غاية للتأخير، ولذلك قال ابن عمر في رواية سالم المذكورة "لم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلاَّ ووصيتي عندي.

قال الطيبي في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة، أي: لا ينبغي أن يبيت زمنا ما وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك" انتهى.

ثم قال: "استدلَّ بهذا الحديث مع ظاهر الآية على وجوب الوصية، وبه قال الزهري وعطاء وطلحة بن مصرف في آخرين، وحكاه البيهقي عن الشافعي في القديم، وبه قال إسحاق وداود واختاره أبو عوانه الإسفراييني وابن جريج وآخرون، ونسب ابن عبد البرِّ القول بعدم الوجوب إلى الإجماع، سوى من شذَّ، كذا قال".

واستدلَّ لعدم الوجوب من حيث المعنى بأنَّه لم يوص لقِسْم جميع ماله بين ورثته بالإجماع، فلو كانت الوصية واجبة لأُخرج من ماله سهمٌ ينوب عن الوصية".

أقول: وفي هذا الاستدلال نظر؛ لأنَّه لا يلزم من كونه واجبا عليه أن يلزم الورثة إخراجه من مالهلا، ألا ترى إلى الحج وسائر حقوق الله تعالى فإنَّها واجبة عليه، ويجب عليه أن يوصي بها، ومع ذلك لا تلزم الورثة إذا لم يوص بها كما هو معلوم، وكذا يقال في وصية الأقرب مثلا. والله أعلم.

قال: وأجابوا عن الآية بأنَّها منسوخة، كما قال ابن عباس، إلى أن قال:

وأجاب من قال بالوجوب بأنَّ الذي نُسخ الوصيةُ للوالدين والأقارب الذين يرثون، وأمَّا من لا يرث فليس في الآية ولا في تفسير ابن عباس ما يقتضي النسخ في حقِّه الخ، فأخذ يجيب عن الحديث بتكلُّفات لا داعي إليها ثم قال:

واختلف القائلون بوجوب الوصية فأكثرهم ذهب إلى وجوبها في الجملة، وعن طاوس وقتادة والحسن وجابر بن زيد في آخرين تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصَّة، أخرجه ابن جريج وغيره عنهم، قالوا: فإن أوصى لغير قرابته لم ينفذ، ويرد

١٬٢٧٥ / ١٬٩٦٦