حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٥٩

قلت له: أرأيتك تأخذ بقوله في كثير وتختار قوله على قول من هو أكبر منهم وأفضل عندنا؟ قال: ومن هو؟ قلت: أبو عبيدة. قال: الإنصاف والحقُّ قبول الحقِّ ممن جاء به والأمر القوي الذي لا دخل فيه ولا خلل ليس كغيره مما يدخل فيه الوهن والضعف، قلت: وأيُّ قوة أقوى من قول أبي عبيدة وغيره من أصحابنا حيث قالوا: "إنَّ من عمر أرضا فهي له ولعقبه من بعده" قال: وأيُّ قول في هذا؟ قلت: لأنَّ سبيل العمرى سبيل المواريث قال: ليس لك في هذا من القوَّة شيء إلاَّ أن تقول: هكذا قالوا، فأمَّا القياس فلا تكلِّم فيه أهله فيسخروا منك ويتبين لهم ضعف مقالتك. قلت: وكيف يكون هذا ضعفا ووهنا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من عمر شيئا فهو له حياته وبعد مماته"؟ قال لي: يا عاجز، لو اتفق الناس على هذا الحديث لم يجاوزه أحد من الفقهاء بالقياس فيه، ولا الرغبة عنه؛ لأنَّ كلَّ ما كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينبغي لأحد أن يخالفه فيه، قلت: وأيُّ قول أعجبك من قولَي إبراهيم في هذه إلى آخره؟.

وأقول ليس من شرط العمل بالحديث أن يكون متَّفقا عليه، بل يجب العمل بما ورد من طريق العدول وإن كانوا آحادا؛ لأنَّ رواية الآحاد توجب العمل وإن كانت لا توجب العلم، فالواجب على ابن عبد العزيز قبول ما ورد عن أبي عبيدة وغيره من المسلمين؛ لأنَّ من حفظ حجَّة على من لم يحفظ، ولا يعارضهم بالقياس لأنَّه لا حظَّ للنظر مع وجود الأثر، وقد روى هذا الحديث الموافقون والمخالفون، فالواجب المصير إليه. والله أعلم.

قوله:» جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حجَّة الوداع «يعني وأنا بمكَّة كما في رواية البخاري ولفظه:

"جاء النبيء صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكَّة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال: يرحم الله ابن عفراء. قلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كلَّه؟ قال: لا، قلت فالشطر؟ قال: لا. قلت: الثلث؟ قال: فالثلث والثلث كثير، إنَّك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفَّفون الناس في أيديهم، وإنَّك مهما أنفقت من نفقة فإنَّها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك، وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناس ويضرَّ بك آخرون، ولم يكن له يومئذ إلاَّ ابنة» انتهى.

١٬٢٨١ / ١٬٩٦٦