الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٦١ويحتمل أن يكون لبيان أنَّ التصدُّق بالثلث هو الأكمل، أي كثيرٌ أجره.
ويحتمل أن يكون معنى "كثير" غير قليل، كما قال الشافعي، وهذا أولى معانيه، يعني أنَّ الكثرة أمرٌ نسبيٌّ، وعلى الأوَّل عوَّل ابن عباس … الخ.
واعلم أنَّ الإجماع على منع الوصية بأزيد من الثلث مقيَّد بما إذا كان له وارث، وأمَّا إن لم يكن له وارث ففيه خلاف، قال ابن حجر: منعه الجمهور، وجوَّزه الحنفية وإسحاق وشريك وأحمد في رواية، وهو قول عليٍّ وابن مسعود، واحتجُّوا بأنَّ الوصية مطلقة في الآية، فقيَّدتها السنَّة لمن له وارث، فبقي من لا وارث له على الإطلاق … الخ، أقول وهو المذهب عندنا.
قال صاحب الإيضاح رحمه الله، بعد رواية هذا الحديث ما نصه: "وفي هذا الحديث أيضا دليل على جواز الوصية بأكثر من الثلث لمن لا وارث له، لقوله عليه الصلاة والسلام: "إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة" الحديث وأجاز أبو إسحاق رحمه الله لمن لا وارث له أن يوصي بجميع ماله كالموالي" فليراجع.
قال ابن حجر: "واختلفوا أيضا هل يعتبر ثلث المال حال الوصية أو حال الموت؟ على قولين، وهما وجهان للشافعية، أصحُّهما الثاني، فقال بالأوَّل مالك وأكثر العراقيين، وهو قول النخعي وعمر بن عبد العزيز، وقال بالثاني أبو حنيفة وأحمد والباقون، وهو قول علي ابن أبي طالب وجماعة من التابعين.
وتمسَّك الأوَّلون لأنَّ الوصية عقد، والعقود تعتبر بأوَّلها، وبأنَّه لو نذر أن يتصدَّق بثلث ماله اعتبر حالة النذر اتفاقا، وأجيب بأنَّ الوصية ليست عقدا من كلِّ جهة ولذلك لا يعتبر فيها الفورية ولا القبول، وبالفرق بين النذر والوصية بإنَّها يصحُّ الرجوع عنها، والنذر يلزم، وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما لو حدث له مال بعد الوصية … " الخ. وأظن أنَّ المذهب هو الثاني. والله أعلم. فليراجع.
قال ابن حجر: "واختلفوا أيضا هل يحسب الثلث من جميع المال، أو يتقيد بما علمه الموصي دون ما خفي عليه، أو تجدَّد له ولم يعلم به، وبالأوَّل قال الجمهور، وبالثاني قال مالك، وحجَّة الجمهور أنه لا يشترط أن يستحضر مقدار المال حال الوصية اتفاقا ولو كان عالما بجنسه، فلو كان العلم به شرطا لما أجاز ذلك فليحرَّر ما هو المذهب، والظاهر أنَّه قول الجمهور. والله أعلم.