حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٨٦

ومثله في تقسيم الذنب إلى ثلاثة أقسام رواية الجامع، حيث قال: "ذنب لا يترك، وذنب يغفر، فأما الذي لا يغفر فالشرك بالله، وأما الذي يغفر فذنب العبد بينه وبين الله عز وجل، وأما الذى لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضا" وفي رواية أخرى: "ذنب يغفر، وذنب لا يغفر، وذنب يجازى به، فأما الذي لا يغفر فالشرك بالله، وأما الذي يغفر فعملك بينك بين ربك، وأما الذي يجازى به فظلمك أخاك"، اهـ.

ولم يكتب عليه شارحه شيئا، والذي أحفظه أظن أنه من كُتب قومنا، والحق ما ذكره المصنف، وأن الشرك داخل في الذنب الذي بين العبد وبين ربه، لأن المراد المغفرة بالتوبة، كما صرح به المصنف رحمه الله في روايته، ولا شك أن الشرك يغفر بالتوبة، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِي الذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:53]، فلا فرق بين الشرك وغيره من الكبائر التي بين العبد وربه في أنهما يكفران بالتوبة، وفي أنهما لا يكفران إلا بها خلافا لما يزعمه قومنا من جواز المغفرة للكبائر التي هي دون الشرك من غير توبة، مستدلين بظاهر قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ﴾ [النساء:48] وليس كما زعموا، فإن المراد بقوله: ﴿مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ﴾ الصغائر، شاء الله أن يغفرها للمؤمنين الموفِّين بدينه لقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:31]، ولقوله: ﴿الذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَآئِرَ الاِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ [النجم:32]، ولقوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:114]،إلى غير ذلك.

وأما الكبائر فإنها لا تغفر إلا بالتوبة، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَالِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا اِلاَّ مَن تَابَ﴾ [الفرقان:68/ 70] الآية، وقد تقدم الكلام على هذا، والله أعلم.

قوله:» فلا توبة له حتى يرد المظالم إلى أهلها «، يعني: إن عَلِمَهُم وعَلِمَ تلك المظالم، وأما إن جَهِلَهُم فإنه يدفعها للفقراء والمساكين، لأن كل مال مجهول سبيله

١٬٣٠٨ / ١٬٩٦٦