الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٨٨منهم، وأنت واقيه، فتعَجَّبَ من حسن بداهته، وقال لأصحابه: ألم أقل لكم لا تقدرون على يغلى، الخ.
قوله:» لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه «لفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد: "لا يحلبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينقل طعامه، فإنها تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه"، اهـ.
قال ابن حجر: والماشية تقع على الإبل والبقر والغنم، ولكنه في الغنم تقع أكثر، قاله في النهاية. ثم ذكر أن المشربة بضم الراء وقد تفتح، أي: الخزانة. والمشرَبة مكان الشرب بفتح الراء خاصة، والمشرِبة بكسر الراء إناء الشرب. ثم ذكر أن الخزانة المكان أو الوعاء الذي يخزن فيه ما يراد حفظه، إلى أن قال: والضرع للبهائم كالثدي للمرأة، ثم ذكر أن أطعماتهم هو جمع أطعمة، والأطعمة جمع طعام، والمراد به هنا اللبن.
قال ابن عبد البر: النهي عن أن يأخذ المسلم من المسلم شيئا إلا بإذنه، وإنما خص اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه، فنبه به على ما هو أولى منه، وبهذا أخذ الجمهور، لكن سواء بإذن خاص أو إذن عام، واستثنى كثير من السلف ما إذا علم بطيب نفس صاحبه، وإن لم يقع منه إذن خاص ولا عام إلى آخره.
أقول: وهذا من مشمولات قول بعضهم: أو دالة بكتاب الله ولها شروط مذكورة في كتب الفقه، قال: وذهب كثير منهم إلى الجواز مطلقا في الأكل والشرب، سواء علم طيب نفسه أولم يعلم، والحجة فيها لهم، إلى أن قال: عن سمرة مرفوعا "إذا أتى أحدكم على ماشية فإن لم يكن صاحبها فيها فليصوت ثلاثا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحلب وليشرب ولا يحمل" وذكر له شاهدا آخر، ثم قال: وأجيب عنه بأن حديث النهي أصح، فهو أولى بأن يُعمل به، وبأنه معارض للقواعد القطعية في تحريم مال المسلم بغير إذنه، فلا يُلْتَفَتُ إليه.
ومنهم من جمع بين الحديثين بوجوه من الجمع.
منها: حمل الإذن على ما إذا علم طيب نفس صاحبه، والنهي على ما إذا لم يعلم.