حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٩٩

إلى أن قال: وفيئه ورجوعه أن يأتي فيسلِّم عليه، واستدلَّ بقوله: ”أخاه“ على أنَّ الحكم يختصُّ بالمؤمنين. إلى أن قال: واستدلَّ بهذه الأحاديث على أنَّ من أعرض عن أخيه المسلم وامتنع من مكالمته والسلام عليه أثم بذلك، لأنَّ نفي الحلِّ يثبت التحريم، ومرتكب الحرام آثم.

ثمَّ قال ابن عبد البرِّ: أجمعوا على أنَّه لا يجوز الهجران فوق ثلاث إلاَّ إن خاف من مكالمته ما يفسد عليه دينه، أو يدخل منه على نفسه أو دنياه مضرَّة، فإن كان كذلك جاز، ورُبَّ هجرٍ جميل خير من مخاطبة مؤذية. وقد استشكل على هذا ما صدر عن عائشة في حقِّ ابن الزبير … الخ وقصَّتها معه طويلة، ونذرت أن لا تكلمه ثمَّ بعد مدَّة دخل عليها برجلين من الصحابة فكلَّمته بعد الجهد الجهيد، وأعتقت لذلك أربعين رقبة فإذا تفكَّرت نذرها بعد ذلك تبكي حتَّى تبلَّ دموعها خمارها.

قال ابن حجر بعد إطالة الجواب عن ما صدر عن عائشة رضي الله عنها: وقد ذكر الخطَّابيُّ أنَّ هجران الوالد لولده، والزوج لزوجته لا يتضيَّق بالثلاث، واستدلَّ بأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم هجر نساءه شهرا، وكذلك ما صدر من كثير من السلف في استجازتهم ترك مكالمة بعضهم بعضا مع علمهم بالنهي عن المهاجرة.

ولا يخفى أنَّ هنا مقامين: أعلى وأدنى، فالأعلى اجتناب المهاجرة جملة، فيبذل السلام والكلام والموادَّة لكلِّ طريق، والأدنى الاقتصار على السلام دون غيره. والوعيد الشديد إنَّما وقع لمن يترك المقام الأدنى، وأمَّا الأعلى فمن تركه من الأجانب فلا يلحقه الملام، بخلاف الأقارب، فإنَّه يدخل فيه قطيعة الرحم، وإلى هذا أشار ابن الزبير في قوله: فإنَّها لا يحلُّ لها أن تنذر قطيعتي، وإن كانت هجرتني عقوبة على ذنبي فليكن لذلك أمدٌ، وإلاَّ فتأبيد ذلك يفضي إلى قطيعة الرحم. وقد كانت عائشة علمت بذلك لكنَّها تعارض عندها هذا والنذر الذي التزمته، فلِمَا وقع من اعتذار ابن الزبير واستشفاعه ما وقع رجح عندها ترك الإعراض عنه، واحتاجت إلى التكفير عن نذرها بالعتق الذي تقدَّم ذكره، ثمَّ بعد ذلك يعرض عندها شكٌّ في أنَّ التكفير المذكور لا يكفيها، فتظهر الأسف على ذلك إمَّا ندما على ما صدر منها من أصل النذر المذكور، وإمَّا خوفا من عاقبة ترك الوفاء به. اهـ.

١٬٣٢١ / ١٬٩٦٦