حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١٠٠

قوله: «إيَّاكم والظنَّ» قال ابن حجر: قال الخطَّابيُّ وغيره: ليس المراد ترك العمل بالظنِّ الذي تناط به الأحكام غالبا، بل المراد ترك تحقيق الظنِّ الذي يضرُّ بالمظنون به، وكذا ما يقع في القلب بغير دليل. وذلك أنَّ أوائل الظنون إنَّما هي خواطر لا يمكن دفعها، وما لا يقدر عليه لا يكلَّف به، ويؤيِّده حديث: ”تجاوز الله للأمة عمَّا حدَّثت به أنفسها“، وقد تقدَّم شرحه.

وقال القرطبيُّ: المراد بالظنِّ هنا التهمة التي لا سبب لها، كمن يتَّهم رجلا بفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها؛ ولذلك عطف عليه قوله: ”ولا تجسَّسوا“، وذلك أنَّ الشخص يقع له خاطر التُّهمة، فيريد أن يتحقَّق فيتجسَّس ويبحث ويتسمَّع فنهى عن ذلك.

وهذا الحديث يوافق قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: 12] فدلَّ سياق الآية على الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقدُّم النهي عن الخوض فيه بالظنِّ. فإن قال الظانُّ: أبحث لأتحقَّق، قيل له: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾، فإن قال أتحقَّقه من غير تجسُّس قيل له: ﴿وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾.

وقال عياض: استدلَّ بالحديث قوم على منع العمل في الأحكام بالاجتهاد والرأي. وحمله المحقِّقون على ظنٍّ مجرَّد عن الدليل ليس مبنيًّا على أصل ولا تحقيق نظر.

قال النوويُّ: ليس المراد في الحديث بالظنِّ ما يتعلَّق بالاجتهاد الذي يتعلَّق بالأحكام أصلا، بل الاستدلال به لذلك ضعيف أو باطل. وتُعُقِّب بأنَّ ضعفه ظاهر، وأمَّا بطلانه فلا، فإنَّ اللفظ صالح لذلك، إلى أن قال: وقد قربه القرطبي في المفهم، وقال: الظنُّ الشرعيُّ الذي هو تغليب أحد الجانبين، أو هو بمعنى اليقين ليس مرادا من الحديث ولا من الآية، فلا يلتفت لمن استدلَّ بذلك على إنكار الظنِّ الشرعيِّ. إلى أن قال: وأمَّا وصف الظنِّ بأنَّه أكذب الحديث مع أنَّ تعمُّد الكذب الذي لا يستند إلى ظنٍّ أصلا أشدُّ من الأمر الذي يستند إلى الظنِّ، فالإشارة إلى الظنِّ المنهيِّ عنه هو الذي

١٬٣٢٢ / ١٬٩٦٦