حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١٠١

لا يستند إلى شيء يجوز الاعتماد عليه، فيعتمد عليه ويجعل أصلا، ويجزم به فيكون الجازم به كاذبا.

وإنَّما صار أشدَّ من الكذب لأنَّ الكذب في أصله مستقبح مستغنى عن ذمِّه بخلاف هذا، فإنَّ صاحبه بزعمه مستند إلى شيء فوُصِف بكونه أشدَّ الكذب مبالغة في ذمِّه والتنفير عنه، وإشارة إلى أنَّ الاغترار بكونه أكثر من الكذب المحض لخفائه غالبا، ووضوح الكذب المحض. اهـ.

قوله: «فإنَّ الظنَّ أكذب الحديث» قال ابن حجر: قد استشكل تسمية الظنِّ كذبا، وأجيب بأنَّ المراد عدم مطابقة الواقع، سواء كان قولا أم لا. ويحتمل أن يكون المراد ما ينشأ عن الظنِّ فوُصِف الظنُّ به مجازا.

قوله: «ولا تجسَّسوا ولا تحسَّسوا» قال ابن حجر: إحدى الكلمتين بالجيم والأخرى بالحاء المهملة، وفي كلٍّ منهما حذف إحدى التاءين تخفيفا، وكذا في بقيَّة المناهي التي في حديث الباب، والأصل: ”تتجسَّسوا“. قال الخطَّابيُّ: معناه لا تبحثوا عن عيوب الناس ولا تتَّبعوها، قال تعالى حاكيا عن يعقوب عليه السلام ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُّوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: 87]. وأصل الكلمة التي بالمهملة من الحواسِّ الخمس، وبالجيم من الجسِّ بمعنى اختبار الشيء باليد، وهي إحدى الحواسِّ الخمس، فتكون التي بالحاء أعمَّ. وقال إبراهيم الحربيُّ: هما بمعنى واحد. وقال ابن الأنباريِّ: ذكر الثاني للتأكيد كقولهم: ”بعدا وسحقا“. وقيل بالجيم: البحث عن عوراتهم، وبالحاء استماع حديث القوم، وهكذا رواه الأوزاعيُّ عن يحيى بن كثير أحد صغار التابعين. وقيل بالجيم: البحث عن بواطن الأمر، وأكثر ما يقال في الشرِّ، وبالحاء البحث عمَّا يدرك بحاسَّة السمع والأذن، ورجَّح هذا القرطبيُّ. وقيل بالجيم: تتبُّع الشخص لأجْلِ غيره، وبالحاء تتبُّعه لنفسه، وهذا اختيار ثعلب.

ويستثنى من النهي عن التجسُّس ما لو تعيَّن طريقا إلى إنقاذ نفس من الهلاك مثلا، كأنْ يخبِر ثقة بأنَّ فلانا خلا بشخص ليقتله ظلما، أو بامرأة ليزني، فيشرع في

١٬٣٢٣ / ١٬٩٦٦