حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١٠٣

وقد يقال: حديث الباب فيمن ظهر منهم الخداع والمكر، وخلف الوعد، والخيانة، والأيمان الباطلة، وحديث ”إيَّاكم والظنَّ“ فيمن غلب عليهم الصدق والوفاء بالعهد. ويقال أيضا: إنَّ قرائن الأحوال تغلِّب أحد الجانبين، فإن ظهرت قرينة سوء وخبث ونكث العهد وما أشبه ذلك استعمل معه سوء الظنِّ، وإن ظهرت قرينة صدق وصلاح ووفاء لم يُظنَّ به ذلك. وقوله: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: 12] يشير إلى هذا الجمع … “الخ.

أقول: ويشير إليه أيضا الأثر المرويُّ عن عمر رضي الله عنه الذي ذكره المصنِّف رحمه الله بعدُ: ”من علمنا فيه خيرا … “الخ.

قال العلقميُّ: أو يقال: إيَّاكم والظنَّ، إنَّه التهمة التي لا سبب لها يوجبها، كمن يتَّهم شخصا بالفاحشة أو شرب الخمر أو السرقة، ولم يظهر عليه ما يوجبها، بخلاف الظنِّ الذي يسلم به من شرِّ الناس.“اهـ.

وأمَّا البغي فذكر ابن حجر نقلا عن الراغب أنَّه مجاوزة القصد، فمنه ما يحمد ومنه ما يذمُّ. فالمحمود: مجاوزة العدل الذي هو الإتيان بالمأمور بغير زيادة فيه ولا نقصان، إلى الإحسان، وهو الزيادة عليه، ومنه الزيادة على الفرض بالتطوُّع المأذون فيه. والمذموم مجاوزة العدل إلى الجور والحقِّ إلى الباطل، والمباح إلى الشبهة. ومع ذلك فأكثر ما يطلق البغي على المذموم، قال الله تعالى: ﴿اِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الاَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: 42]، وقال تعالى: ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: 145]. وإذا أطلق البغي وأريد به المحمود تزاد فيه غالبا التاء، كما قال الله تعالى ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ [العنكبوت: 17] وقال: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ [الإسراء: 28].

١٬٣٢٥ / ١٬٩٦٦