الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٠٤وقال غيره: ”البغي الاستعلاء بغير الحقِّ ومنه: بغى الجرح، إذا فسد“.اهـ.
أقول: وظاهر كلام الصحاح الجمع بين المعنيين حيث قال: البغي: التعدِّي، وبغى الرجل استطال، إلى أن قال: وبغى الجرح ورم وترامى إلى فساد، وبغى الوالي ظلم، وكلُّ مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حدُّ الشيء فهو بغي … “الخ.
وقال البيضاويُّ: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِحْسَانِ﴾ إلى قوله: ﴿وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: 90]: الاستعلاء والاستيلاء على الناس والتجبُّر عليهم، فإنَّها الشيطنة التي هي مقتضى القوَّة الوهميَّة، ولا يوجد من الإنسان شرٌّ إلاَّ وهو مندرج في هذه الأقسام صادر بتوسُّط إحدى هذه القوى الثلاث، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: هي أجمع رواية في القرآن للخير والشرِّ، وصارت سببا لإسلام عثمان بن مظعون، ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنَّه تبيان كلِّ شيء وهدى ورحمة للعالمين … “الخ.
قوله: «ولا حظَّ في الإسلام لمن فيه إحدى هذه الخصال» وذلك في الحَسَد إذا بَغَى، وفي الظنِّ إذا حقِّق، بدليل قوله بعدُ: «من حسد فلا يبغِ … » الحديث. والله أعلم.
قوله: «من علمنا فيه خيرا … » إلخ هذا الأثر استدلَّ به أصحابنا رحمهم الله على وجوب وَلاية الأشخاص وبراءة الأشخاص، وفيه زيادة على رواية المصنِّف رحمه الله هي نصٌّ في المقصود، قال في القواعد: وقال عمر رضي الله عنه: ”من رأينا فيه خيرا قلنا فيه خيرا وظننَّا فيه خيرا وتولَّيناه، ومن رأينا منه شرًّا قلنا فيه شرًّا وظننَّا فيه شرًّا وتبرَّأنا منه“.اهـ.
ففي هذا الأثر جواز ظنِّ السوء بالمنافق للاحتراس منه مثلا، ولكن لا يجوز القطع بذلك لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”إذا ظننتم فلا تحقِّقوا“، كما تقدَّم ويأتي. والله أعلم.
قوله: «من حسد فلا يبغ، ومن تطيَّر فلا يرجع، ومن ظنَّ فلا يحقِّق»: هذا الحديث يدلُّ على أنَّ الحسد المهلك هو الذي يكون معه البغي، والظنُّ المهلك هو الذي يكون معه التحقيق.