الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٠٥وهذا الحديث قريب ممَّا تقدَّم فيما ذكره ابن حجر عن عبد الرزَّاق مرفوعا: ”ثلاثة لا يسلم منها أحدٌ: الطيرة، والظنُّ، والحسد، قيل: فما المخرج منهنَّ يا رسول الله؟ قال: إذا تطيَّرت … “ الحديث. ومثله ما في الجامع الصغير من قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ”إذا حسدتم فلا تبغوا، وإذا ظننتم فلا تحقِّقوا، وإذا تطيَّرتم فامضوا، وعلى الله فتوكَّلوا“. قال العلقميُّ بعد كلام في حقيقة الحسد وما يتعلَّق به ما نصُّه: ”وصاحبه مذموم إذا فعل بمقتضى ذلك من تصميم أو قول أو فعل، وينبغي لمن خطر له أن يكرهه كما يكره ما وضع في طبعه من حبِّ المنهيَّات. واستثنوا من ذلك ما إذا كانت النعمة لكافر أو فاسق يستعين بها على معاصي الله تعالى … “الخ.
أقول: ويؤيِّد هذا الاستثناء قول صاحب الإيضاح فيما يتعلَّق بحقوق الجار: ”وفي الأثر: من كان له جار سوء يؤذيه، فإن كان منافقا جاز له أن يدعو عليه بالفقر والموت، ولا يجوز أن يدعو على المؤمن … “الخ. فإنَّه من المعلوم أنَّه لا يدعو عليه بالفقر إلاَّ وهو يتمنَّى زوال النعمة التي عنده. على أنَّ بعض قومنا عرَّف النعمة بأنَّها: أمر ملائم تحمد عاقبته. قال: ومن ثمَّ لا نعمة لله على الكافر، فعلى هذا يخرج ما بيد الكافر إذا تمنَّى زواله من تعريف الحسد بأنَّه: تمنِّي زوال النعمة عن المنعَم عليه.
لكن في كلامه نظر، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الاِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: 83]، وقوله: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ الاِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: 34] إلى غير ذلك، والله أعلم، فالاستثناء أظهر. والحاصل أنَّه لا يتمنَّى زوالهما لعدم الرضى بقسم الله، وإنَّما يتمنَّى ذلك لما يحصل منه من التجبُّر بتلك النعمة والاستعلاء بها على المسلمين. والله أعلم.
وفسَّر العلقميُّ البغي بخلاف ما تقدَّم عن ابن حجر بحسب الظاهر حيث قال: ”بغى يبغي بُغاء (بالضمِّ) إذا طلب، قاله في النهاية“.