حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١١٨

وخصَّ الصغير بذلك لأَنَّ الشفقة عليه أعظم، والحبَّ له أَشَدُّ، والرحمة له أوفر، وعلى هذا فمن بلغ الحنث لا يحصل لمن فقد ما ذكر من هذا الثواب، وإن كان في فقد الولد أجر في الجملة، وبهذا صَرَّحَ كثير من العلماء. وفرَّقوا بين البالغ وغيره بِأَنَّهُ يتَصَوَّرُ منه العقوق المقتضي لعدم الرحمة، بخلاف الصغير فَإِنَّهُ لا يتَصَوَّرُ منه ذلك، إذ ليس بمخاطب. وقال الزين بن المنير: بل يدخل الكبير في ذلك من طريق الفحوى، لأَنَّهُ إذا ثبت ذلك في الطفل الذي هو كلٌّ على أبويه فكيف لا يثبت في الكبير بلغ معه السعي ووصل له منه النفع، وتوجَّه إليه الخطاب بالحقوق، قال: وَلَعَلَّ هذا هو السرُّ في إلغاء البخاريِّ التقييدَ بذلك في الترجمة”. اهـ. أقول: وعدم التقييد بالبلوغ هو ظاهر رواية الْمُصَنِّف والله أعلم. قال ابن حجر: “ويقوِّي الأَوَّل قوله في بَقِيَّة الحديث: "بفضل رحمته إِيَّاهُم"، لأَنَّ الرحمة للصغار أكثر، لعدم حصول الإثم منهم.

وهل يلحق بالصغار من بلغ مجنونا مثلا وَاسْتَمَرَّ على ذلك فمات؟ فيه نظر، لأَنَّ كونهم لا إثم عليهم يقتضي الإلحاق، وكون الامتحان بهم يخفُّ بموتهم يقتضي عدمه، ولم يقع التقييد في طرق الحديث بشدَّة الحبِّ ولا عدمه، وكان القياس يقتضي ذلك لِمَا يوجد من كراهة بعض الناس لولده وتبرُّئه منه ولا سيما من كان ضيِّق الحال، لكن لَمَّا كان الولد بمظنَّة المحبَّة والشفقة يناط به الحكم وإن تخَّلف في بعض الأفراد”اهـ. وكتب على قوله: "بفضل رحمته إِيَّاهُم" أي: بفضل رحمة الله للأولاد. قال ابن التين: قيل: إنَّ الضمير في "رحمته" للأب، لكونه كان يرحمهم في الدنيا، فيجازى بالرحمة في الآخرة. قال ابن حجر: وَالأَوَّل أولى، ويؤيِّده أنَّ رواية ابن ماجه من هذا الوجه: "بفضل رحمة الله إِيَّاهُم … "إلخ، فذكر روايات منها: "إلاَّ غفر الله لهما بفضل رحمته". ومنها: "ما من مسلمين يموت لهما أربعة أولاد إِلاَّ أدخلهما الله الجنَّة بفضل رحمته". ومنها: "إِلاَّ أدخله الله برحمته هو وإيَّاهم الجنَّة". إلى أن قال: “فوضح بذلك أنَّ الضمير في قوله: "إِيَّاهُم" للأولاد لا للآباء. والله أعلم”.اهـ.

١٬٣٤٠ / ١٬٩٦٦