الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٢١وقال القرطبيُّ: “اختلف في المراد بهذا القسم، فقيل: هو يمين، وَقِيلَ: غير يمين، فالجمهور على الأَوَّل. وقيل لم يَعْنِ به قسمًا بعينه، وَإِنَّمَا معناه التقليل لأمر ورودها، وهذا التلويح يستعمل في هذا، تقول: "لا ينام فلان إِلاَّ لتحليل الالية"، وتقول: "ما ضربته إِلاَّ تحليلاً" إذا لم تبالغ في الضرب، أي قدرا يصيب منه مكروها. وَقِيلَ: الاستثناء بمعنى الواو، أي لا تَمَسُّه النار قليلا ولا كثيرا، ولا تحلَّة القسم. وقد جوَّز الفرَّاء والأخفش مجيء إِلاَّ بمعنى الواو، وجعلوا منه قوله تعالى: ﴿لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلاَّ مَن ظَلَمَ﴾ [النمل: 10 - 11]، وَالأَوَّل قول الجمهور، وبه جزم أبو عبيد وغيره، وقالوا: المراد به قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمُ، إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: 71]، قال الخطَّابيُّ: معناه لا يدخل النار ليعاقب بها وَلَكِنَّهُ يدخلها مجتازا، ولا يكون ذلك الجواز إِلاَّ قدر ما يحلِّل به الرجل يمينه … ”إلخ. وَاستَدَلَّ لذلك، إلى أن قال مرفوعا: “من حرس وراء المسلمين في سبيل الله متطوِّعا لم ير النار بعينه إِلاَّ تحلَّة القسم، فإنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ قال: ﴿وَإِن مِّنكُمُ، إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ ” … إلخ. أقول: وهذا الحديث يَدُلُّ على أنَّ الورود ورود النظر لا ورود الدخول، كما هو مذهب أصحابنا، لقوله تعالى: {إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى …
} [الأنبياء: 101]، قال: واختلف في موضع القسم من الآية، فقيل: هو مقدار، أي: واللهِ إنَّ منكم. وَقِيلَ: معطوف على القسم الماضي في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: 68]، أي: وربِّك إِنَّ منكم. وَقِيلَ: مستفاد من قوله تعالى: ﴿حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]، أي: قسما واجبا”. إلى أن قال: “وقال الطَّيِّبي: يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دَلَّ على القطع والبتِّ من السياق، فإنَّ قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ﴾ [مريم: 71]، تذييل وتقرير لقوله: ﴿وَإِن مِّنكُمُ﴾ فهو بمنزلة القسم، بل أبلغ، لمجيء الاستثناء بالنفي والإثبات. واختلف السلف في المراد بالورود في الآية.