حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١٢٢

فقيل: هو الدخول، وَقِيلَ: المراد بالورود الممر عَلَيْهَا، رواه الطبريُّ وغيره من طريق بشر. “روى عبد الرزَّاق … ” إلى أن قال مرفوعا: “الورود الدخول، لا يبقى برٌّ ولا فاجر إِلاَّ دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما”. إلى أن قال: “ومن طريق كعب الأحبار، وزاد: "يستوون كلُّهم على متنها، ثُمَّ ينادي مناد: أمسكي أصحابك، ودَعِي أصحابي، فيخرج المؤمنون نَدِيَّةً أبدانهم". وهذان القولان أصحُّ ما ورد في ذَلِكَ، ولا تنافِيَ بينهما، لأَنَّ من عَبَّرَ بالدخول تجوَّز به عن المرور. ووجهه: أنَّ المارَّ عليها فوق الصراط في معنى من دخلها، لكن تختلف أحوال المارَّة باختلاف أحوالهم، فأعلاهم درجة من يَمُرُّ كلمع البرق، كما سيأتي تفصيل ذلك … ”. إلى أن قال: “ويؤيِّد صِحَّة هذا التأويل ما رواه مسلم من حديث أمِّ مبشِّر: أَنَّ حفصة قالت للنَّبِيء صلَّى الله عليه وسلَّم لَمَّا قال: "لا يدخل أحد شهد الحديبيَّة النار"، أليس الله يقول: ﴿وَإِن مِّنكُمُ، إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ فقال لها: أليس الله يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذِينَ اتَّقَوْاْ … ﴾ [مريم: 72]، الآية؟ ”.

وفي هذا بيان ضعف من قال: الورود مختصٌّ بالكفَّار، ومن قال: معنى الورود الدنوُّ منها، ومن قال: معناه الإشراف عليها، ومن قال: معنى ورودها ما يصيب المؤمن في الدنيا من الحمَّى على أَنَّ هذا الأخير ليس ببعيد، ولا ينافيه بَقِيَّة الأحاديث. والله أعلم”. اهـ.

وأقول: الورود عندنا يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون بمعنى الدخول، فيكون خَاصًّا بالكفَّار، ويكون في الآية الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، أي: وإن منكم أَيُّهَا الكُفَّار إِلاَّ واردها. والثاني أن يكون بمعنى الرؤية والنظر بالعين، فيكون عامًّا، ولا يقتضي الدخول. قال الشيخ أبو نصر رحمه الله:

وَأَمَّا ورود الناس النار أَنَّهُ***ورود يقين العلم واللمح بالعين.

والحامل لهم على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ … ﴾ [الأنبياء: 101] الآية، فإنَّ القرآن يصدِّق بعضه بعضا، إِلاَّ أَنَّ ظاهر الحديث مشكل، فتأويله بِأَنَّ المسلمين يَمُرُّون عليها، وتكون عليهم بردا وسلاما، الظاهر

١٬٣٤٤ / ١٬٩٦٦