الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٣٠مثل هذه على هذا فيحرقكم" ففيه بيان السبب، وبيان الحامل للفويسقة وهي الفأرة على جرِّ الفتيلة وهو الشيطان، فيستعين وهو عدو الإنسان عليه بعدو آخر وهي النّار.
أعاذنا الله بكرمه من كيد الأعداء إِنَّهُ رءوف رحيم. قال القرطبي: الأمر والنهي في هذا الحديث للإرشاد. قال: وقد يكون للندب. وجزم النووي بِأَنَّهُ للإرشاد لكونه مصلحة دنيوية. وتُعُقِّب بِأَنَّهُ قد يقضي إلى مصلحة دينية وهي حفظ النفس المحرَّم قتلها، والمال المحرَّم تبذيره. وقال الطبري في هذه الأحاديث: إنّ الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيره وفيه نار، فعليه أن يطفئها قبل نومه، أو يفعل معها ما يؤمِّن معه الإحراق؛ وكذا إن كان في البيت جماعة فَإِنَّهُ يتعين على بعضهم وأخصّهم بذلك آخرهم نوما؛ فمتى فرّط في ذلك كان للسنَّة مخالفا ولآدابها تاركا. وقال ابن دقيق العيد: إذا كانت العلّة في إطفاء السّراج الحذر من جرِّ الفويسقة الفتيلة؛ فمقتضاه أن السراج إذا كان على هيئة لا تصل إليها الفأرة لا تمنع العادة، كما لو كان على منارة من نحاس أملس لا يمكن للفأرة الصّعود إليه، أو يكون مكانه بعيدا من موضع تَثِب منه إلى السراج. قال وَأَمَّا ورود الأمر بإطفاء النّار مطلقا كما في حديثي ابن عمر وأبي موسى وهو أعم من نار السراج، فقد يتطرّق منه مفسدة أخرى غير جرّ الفتيلة، كسقوط شيء من السراج على بعض متاع البيت، وكسقوط المنارة فينتشر السراج إلى شيء من المتاع فيحرقه، فيحتاج إلى الاستيثاق من ذلك؛ فإذا استوثق بحيث يؤمن معه الإحراق فيزول الحكم بزوال علّته. قلت: وقد صرّح النووي بذلك في القنديل مثلا، لأَنَّهُ يُؤْمَن معه الضّرر الذي لا يؤمن مثله في السراج. وقال ابن دقيق العيد: أيضا هذه الأوامر تتنوع بحسب مقاصدها. فمنها: ما يحمل على الندب، وهو التسمية على كلّ حال، ومنها ما يحمل على الندب والإرشاد معا كإغلاق الأبواب من أجل التعليل، فإنّ الشيطان لا يفتح باب مغلقا لأن الاحتراز من مخالطة الشياطين مندوب إليه