حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١٥٠

والمعنى والله أعلم، أنَّه إذا أطاعهما دخل الجنة، وإذا عصاهما دخل النار، ففيه التنبيه على وجوب طاعتهما فيما ليس فيه معصية الله، كما هو معلوم، وقد جعل لبرِّهما باب مستقل.

وقد ذكر في البخاري حديثا آخر يدلُّ على أنَّ الأمَّ أحقُّ بالبر من الأب، ولفظه بعد ذكر الإسناد عن أبي هريرة قال: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحقُّ الناس بحسن صحبتي؟ فقال: أمُّك قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم من؟ قال: أبوك" قال ابن حجر: "وقال القرطبي: المراد أنَّ الأم تستحق على الولد الحظَّ الوافر من البرِّ، وقد تقدَّم في ذلك على حقِّ الأب عند المزاحمة".

وقال عياض: ذهب الجمهور إلى أنَّ الأمَّ تفضَّل في البر على الأب. وقيل يكون برُّهما سواء، ونقله بعضهم عن مالك، والصواب الأول.

قال ابن حجر: قلت إلى الثاني ذهب بعض الشافعية، لكن نقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأمِّ في البر، وفيه نظر، وأطال فيه إلى أن قال: ويؤيد تقدُّم الأم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنّ امرأة قالت: يا رسول الله، إنَّ ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإنَّ أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال: أنت أحقُّ به مما لم تنكحي". الخ.

وأشار صاحب القواعد رحمه الله أيضا إلى ترجيح الوالدة حيث قال: وحقوقهما كثيرة لاسيما الوالدة؛ لأنها حملته في بطنها، وغذَّته بلبنها، وأولته الخير والشفقة حين لا يطيق لنفسه دفعا ولا حيلة ولا نفعا، فكان حجرها له حواء، وثديها له سقاء. الخ.

قوله:» شرُّ الناس ذو الوجهين «الخ، ذكره في الجامع بلفظ آخر حيث قال: "من كان له وجهان، كان له يوم القيامة لسانان من نار".

قال شارحه: معناه أنَّه لما كان يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه على وجه الإفساد، جُعل له لسانان من نار، كما كان في الدنيا له لسان عند كلِّ طائفة.

وتقدَّم فيه مزيد في: "تجدون الناس" انتهى.

١٬٣٧٢ / ١٬٩٦٦