الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٦٩الأول: أنَّ التوفيق للعمل من رحمة الله، ولولا رحمة الله السابقة ما حصل الإيمان ولا الطاعة التي تحصل بها النجاة.
الثاني: أنَّ منافع العبد لسيِّده فعمله مستحقٌّ لمولاه، فمهما أنعم عليه من الجزاء فهو من فضله.
الثالث: جاء في بعض الأحاديث أن يفسر دخول الجنة برحمة الله، وانقسام الدرجات بالأعمال.
الرابع: أنَّ أعمال الطاعات كانت في زمن يسير، والثواب لا ينفد، والإنعام الذي لا ينفد في جزاء، بل ما ينفد بالفضل لا بمقابلة الأعمال.
وقال الكرماني: الباء في قوله: "بما كنتم تعملون" ليست للسببية بل للإلصاق أو المصاحبة، أي أورثتموها ملابسة أو مصاحبة، أو للمقابلة، نحو: أعطيت الشاة بدرهم، وبهذا الأخير جزم الشيخ جمال الدين بن هشام في المغني، فسبق إليه، فقال: الباء ترد للمقابلة وهي الداخلة على الأعواض كاشتريته بألف، ومنه ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 32]، وإنما لم يقدّر هنا باء السببية كما قالت المعتزلة، وكما قال الجميع في: "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" لأنَّ المعطي بعوض قد يعطي مجَّانا، بخلاف المسبب فلا يوجد بدون السبب.
قال: وعلى ذلك ينتفي التعارض بين الآية والحديث.
قال ابن حجر: قلتُ: سبقه إلى ذلك ابن القيم فقال في كتاب مفتاح دار السعادة: الباء المقتضية للدخول غير الباء المانعة، فالأولى باء السببية الدالة على أنَّ الأعمال سبب الدخول المقتضية له كما اقتضاه سائر الأسباب لمسبباتها، والثانية باء المعاوضة نحو اشتريت منه بكذا، فأخبر أنَّ دخول الجنة ليس في مقابلة عمل أحد، وأنَّه لولا رحمة الله بعبده لما أدخله الجنة؛ لأنَّ العمل بمجرِّده ولو تناهى لا يوجب بمجرِّده دخول الجنة، ولا أن يكون عوضا لها، لأنَّه لو وقع على الوجه الذي يحبه الله لا يقاوم نعمة الله، بل جميع العمل لا يوازي نعمة واحدة، فتبقى سائر نعمه مقتضية لشكرها، وهو لم يعطها حقَّ شكرها، فلو عذَّبه في هذه الحالة لعذَّبه وهو غير ظالم، وإذا رحمه في هذه الحالة كانت رحمته خيرا من عمله، كما في حديث