حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١٧٠

أبي بن كعب الذي أخرجه أبو داود وابن ماجة في ذكر القدر ففيه: "لو أنَّ الله عذب أهل سماواته وأرضه لعذَّبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم" الحديث الخ.

أقول: ومثل هذا ما ذكره صاحب القناطر رحمه الله فيما يتعلَّق بالخوف من باب قنطرة الخوف والرجاء، حيث قال حاكيا عنه صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: "لو واخذني الله أنا وأخي عيسى بما فعلت هاتان الاصبعان لعذَّبنا بالنار" وفي حديث آخر: "لعذبنا عذابا لم يعذِّب به أحدا من العالمين" الخ.

قال ابن حجر: قال يعني ابن القيم: وهو فصل الخطاب مع الجبرية الذين أنكروا أن تكون الأعمال سببا في دخول الجنة، من كلِّ وجه، والقدرية الذين زعموا أنَّ الجنة عوض العمل، وأنَّ دخولها لمحض الأعمال، والحديث يبطل دعوى الطائفتين. والله أعلم، إلى أن قال:

ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جوابٌ آخر، وهو أن يحمل الحديث على أنَّ العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنَّة، ما لم يكن مقبولا، وإن كان كذلك فأمر القبول إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه، وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي تعملونه من العمل المقبول، ولا يضرُّ بعد هذا أن تكون الباء للمصاحبة أو الإلصاق أو المقابلة، ولا يلزم من ذلك أن تكون سببية، ثم رأيت النووي جزم بأنَّ ظاهر الآيات أنَّ دخول الجنَّة بسبب الأعمال. والجمع بينها، وبين الحديث أنَّ التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها، وقبولها إنما برحمة الله وفضله، فيتضح أنَّه لم يدخل بمجرد العمل، وهو مراد الحديث، ويصح أنَّه دخل بسبب العمل وهو من رحمة الله تعالى، وردَّ الكرماني الأخيرَ بأنه خلاف صريح. الحديث. اهـ.

وأقول: لكن لا يخالفه بالنظر إلى التأويل؛ لأنَّ المنفي في الحديث إنما هو السببية المجرَّدة عن رحمة الله تعالى.

والحاصل أنَّ الأعمال المجردة عنها لا تكون سببا لدخولها، وهو مراد الحديث.

وعند الاقتران برحمته تكون سببا لدخولها، وهو مراد الآية. والله أعلم.

١٬٣٩٢ / ١٬٩٦٦