حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٤١

ثبت أنه يحفظ من الشيطان حتى يصبح، وفيه بحث سأذكره في آخر شرح هذا الحديث إن شاء الله تعالى.

قوله: «يضرب مكان كل عقدة» قال ابن حجر: أي بيده على العقدة تأكيدا وإحكاما لها، قائلا ذلك، وقيل معنى يضرب: يحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى ءَاذَانِهِمْ﴾ [الكهف:11] أي حجب الحس أن يلج في آذانهم فيتنبهوا، وفي حديث أبي سعيد: "ما أحد ينام إلا ضرب على صماخه بجرير معقود، إلى آخره".

قوله: «عليك ليل طويل» ذكر ابن حجر فيه روايتين الرفع والنصب، ثم قال عياض: رواية الأكثر عن مسلم بالنصب على الإغراء، ومَن رفع فعلى الابتداء، أي باق عليك، أو بإضمار فعل أي بقي عليك، وقال القرطبي: الرفع أولى من جهة المعنى، لأنه الأمكن في الغرور من حيث أنه يخبر عن طول الليل ثم يأمره بالرقاد بقوله: ارقد، وإذا نصب على الإغراء لم يكن فيه إلا الأمر بملازمة طول الرقاد، وحينئذ يكون قوله: (فارقد) ضائعا، ومقصود الشيطان بذلك تسويفه للقيام والإلباس عليه.

وقد اختلف في هذه العقد؛ فقيل: هو على الحقيقة وأنه كما يعقد الساحر من يسحره، وأكثر من يفعله النساء تأخذ إحداهن الخيط فتعقد منه عقدة وتتكلم عليه بالسحر فيتناثر المسحور عند ذلك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:3]، وعلى هذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس لا قافية الرأس نفسها، وهل العقد في شعر الرأس أو في غيره؟ الأقرب الثاني إذ ليس لكل أحد شعر، ويؤيده ما ورد في بعض طرقه: "إن على رأس كل آدمي حبلا". ففي رواية ابن ماجة ومحمد بن نصر من طريق أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: "على قافية رأس أحدكم حبل فيه ثلاث عقد" ولأحمد من طريق الحسن عن أبي هريرة بلفظ: "إذا نام أحدكم عقد على رأسه بجرير"، ولابن خزيمة وابن حبان من حديث جابر مرفوعا: "ما من ذكر ولا أنثى إلا على رأسه جرير معقود حين يرقد"، إلى أن قال: (والجرير) بفتح الجيم وهو الحبل، إلى أن قال: وقيل: هو المجاز كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالمسحور، فلما كان الساحر يمنع بعقده ذلك تصرف من يحاول عقده كان هذا مثله من الشيطان للنائم.

١٤١ / ١٬٩٦٦