حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١٩١

قال في الفتح: قال الطبري: المعنى أنَّه لا يجوز للرجال التشبُّه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء، ولا العكس.

قلت: وكذا في الكلام والمشي، فأمَّا هيئة اللباس فتختلف باختلاف عادة كلِّ بلد، فربَّ قوم لا يختلف زيُّ رجالهم من نسائهم في اللبس، لكن تمتاز النساء بالاحتجاب والاستتار.

وأمَّا ذم التشبيه بالكلام والمشي فمختص بمن تعمَّد ذلك، وأمَّا من كان أصل خلقته فإنَّه يؤمر بتكلُّف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذمُّ، ولاسيما إن بدا منه ما يدلُّ على الرضى به. وأخذُ هذا واضح من لفظ المتشبهين.

وأمَّا إطلاق من أطلق كالنووي أنَّ المخنث الخلقي لا يتجه عليه اللوم فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثنى والتكسر في المشي والكلام، بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك، وإلاَّ متى كان ترك ذلك ممكنا ولو بالتدريج فتركه لغير عذر لحقه اللوم. إلى أن قال:

وقال ابن التين: إنَّ المراد باللعن في هذا الحديث من تشبَّه من الرجال بالنساء في الزي، ومن تشبَّه من النساء بالرجال كذلك. فأما من انتهى في التشبيه بالنساء من الرجال إلى أن يؤتى في دبره، وبالرجال من النساء إلى أن تتعاطى السحق بغيرها من النساء، فإنَّ لهذين الصنفين من الذم والعقوبة أشدُّ ممن لم يصل إلى ذلك. وإنما أمر بإخراج من تعاطى ذلك من البيوت لئلاَّ يفضي الأمر بالمتشبه إلى تعاطي ذلك الأمر المنكر.

وقال ابن أبي جمرة ما ملخَّصه: ظاهر اللفظ الزجر عن التشبيه في كلِّ شيء، لكن عُرف من الأدلة الأخرى أنَّ المراد التشبيه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوهما، لا التشبيه في أمور الخير. إلى أن قال:

والحكمة في لعن من تشبَّه، إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء. وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله المغيِّرات خلق الله.

قوله:» وما الركاضة يا رسول الله؟ قال: التي لا تغار «كأنَّ المراد لا تغار على نفسها فلا تبالي من نظر الرجال إليها، وتمكِّنهم منها أو على زوجها، فلا تبالي من نظره إلى النساء واجتماعه بهنَّ مثلا. والله أعلم.

١٬٤١٢ / ١٬٩٦٦