الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٩٤اللبث في البيوت، مأخوذ من العمر وهو طول البقاء. وإنما نهى عن قتلها لأنَّ الجنَّ تتمثل بها، ومن ثم أمر بقتل ذي الطفيتين والأبتر؛ لأنَّ الجن لا تتمثل بهما … الخ.
قال ابن حجر: وعند مسلم من حديث أبي سعيد مرفوعا: “إنَّ لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئا فحرِّجوا عليه ثلاثا، فإن ذهب وإلاَّ فاقتلوه“.
واختلف في المراد بالثلاث فقيل ثلاث مرات وقيل ثلاثة أيام. ومعنى قوله: "حرجوا عليهنَّ“ أن يقال: أنتن في ضيق وحرج، إن لبثتن عندنا، أو ظهرتن لنا، أو عدتن إلينا.
قال العلقمي: في المراد بالثلاث، والجمهور على الثاني، ويدل له خبر مسلم عن أبي سعيد "أنَّ فتى دخل بيته فإذا بحية عظيمة مطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج به فوكزه في الدار، فاضطربت، وخرَّ الفتى ميتا، فما ندري كان أيهما أسرع موتا: الحية أم الفتى. فجئنا إلى النبيء صلى الله عليه وسلم وأخبرناه بذلك فقال: “استغفروا لصاحبكم”. ثم قال: “إنَّ بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان“.
قال قوله:» خرجوا عليهن «معناه أن يقال لهن: “أنت في ضيق وحرج، إن لبثت عندنا، أو ظهرت لنا، أو عدت إلينا، إنَّا نسألك بعهد نوح، وبعهد سليمان بن داود، أن لا تبدو لنا ولا تبدونا" الخ.
فذكر الخلاف هل هذا عام في كلِّ بلد أو خاص ببيوت المدينة، ثم قال: وعند الحنفية ينبغي أن لا تقتل الحية البيضاء لأنها من الجن. وقال الطحاوي: لا بأس بقتل الجميع بعد الإنذار. الخ. فذكر أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قال: “إنَّ الله يحبُّ البصير الناقد عند مجيء الشبهات، والعقل الكامل عند نزول الشهوات، ويحب السماحة ولو على تمرات، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية" … الخ “.
فذكر الخلاف في الأمر بقتل الحيات هل هو للاستحباب وللإرشاد، ثم قال: نعم، ما كان منها محقَّق الضرر وجب دفعه، وفيه نظر، وسيأتي تحقيقه في "خمس من الفواسق".