الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٩٥أقول: وظاهر رواية المصنف رحمه الله أنَّ الأمر للوجوب إذا تركهن خوف الثأر.
وظاهره أيضا العموم في كلِّ حية في أيِّ موضع كانت من غير إنذار. فإن صحَّت رواية البخاري وغيره قيِّد بما بعد الإنذار في البيوت وهو الأحوط. والله أعلم.
قوله:» فإنا ما سالمناهنَّ منذ حاربناهن“ السلم (بفتح السين وكسرها الصلح)، والحرب العداوة، ما صالحناهن منذ عاديناهن. والظاهر أنَّ المراد بالمحاربة التي بيننا وبين الحيات العداوة التي بينها وبين آدم وحواء عليهما السلام؛ لأنَّها هي التي أدخلت إبليس إلى الجنة، حتى صدر منه ما صدر، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ،﴾ [البقرة: 36]؛ لأنَّ الخطاب لآدم وحواء وإبليس والحية. قوله: “فمن تركهن خشية الثأر فقد كفر" الرواية في الجامع: “فمن خاف ثأرهن فليس منا”. قال العلقمي: ثأرهنَّ (بالمثلثة وسكون الهمزة) أي من خاف إذا قتلهن أن يطلب بثأرهن ويقتل بقتلهن. ويحتمل أن يقال: من خاف إذا هاش على الحيات وأراد قتلها أن تطلبه وترتفع عليه لتلدغه بسمُّها فيموت من لدغها.
ثم قال في قوله: “فليس منا” أي ليس عاملا بسنتنا، ولا مقتديا بنا.
قوله:» فرجع تطيرا من أجله «قال ابن حجر: الطيرة (بكسر المهملة، وفتح التحتانية، وقد تسكن) وهي التشاؤم بالشيء إلى آخر ما تقدَّم عن العلقمي في قوله: “ومن تطير فلا يرجع“. قال ابن حجر: وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم فإن رأى الطير طار عن يمينه تيمن به واستمر، وإن طار يسرة تشاءم به ورجع. وربما كان أحدهم يهيِّج الطير لتطير، فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك.
وكانوا يسمونه: السانح (بمهملة ثم نون ثم حاء) والبارح (بموحدة، وآخره مهملة) فالسانح ما والاك ميامنة بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح بالعكس، وكانوا يتيمنون بالسانح ويتشاءمون بالبارح؛ لأنَّه لا يمكن رميه إلاَّ أن ينحرف إليه.