الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٩٦وليس في شيء من سنوح الطير وبروحه ما يقتضى ما اعتقدوه، وإنما هو تكلُّف بتعاطي ما لا أصل له، إذ لا نطق للطير ولا تمييز، فيستدل بفعله على مضمون معنى فيه، وطلب العلم من غير مظانه جهل من فاعله.
وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير، ويتمدَّح بتركه … الخ، فذكر الشعراء في ذلك أبياتا منها:
الزجر والطير والكهان كلهم
مضللون ودون الغيب أفعال
ومنها:
وما عاجلات الطير تدني من الفتى
نجاحا ولا عن غيبهن قصور
ومنها:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى
ولا زاجرات الطير ما الله صانع
إلى أن قال: وكان أكثرهم يتطيرون ويعتمدون على ذلك، ويصح معهم غالبا لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين.
وقد أخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أنس رفعه: “لا طيرة، والطيرة على من تطيَّر”، إلى أن قال عن النبيء صلى الله عليه وسلم: “ثلاثة لا يسلم منهنَّ أحد: الطيرة، والظن، والحسد” فذكر المخرج منها كما تقدَّم. ثم قال عن أبي هريرة رفعه: “إذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا”، ثم قال عن أبي الدرداء رفعه: “لن ينال الدرجات العلى من تكهَّن، أو استقسم، أو رجع من سفر تطيرا” إلى أن قال عن ابن مسعود رفعه: “الطيرة شرك، وما منا إلاَّ … ولكن الله يذهبه بالتوكُّل“. وقوله: “وما منا إلاَّ” من كلام ابن مسعود أدرجه في الخبر، إلى أن قال: وإنما جعل ذلك شركا لاعتقادهم أنَّ ذلك يجلب نفعا أو يدفع ضررا، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى.
وقوله “ولكنَّ الله يذهبه بالتوكل“ إشارة إلى أنَّ من وقع له ذلك فسلم لله ولم يعبأ بالطيرة فإنَّه لا يؤاخذ بما عرض له من ذلك. وأخرج البيهقي في الشعب من حديث عبد الله بن عمر موقوفا: “من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللهم لا طير إلاَّ طيرك، ولا خير إلاَّ خيرك، ولا إله غيرك“.