الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٩٧وقال صلى الله عليه وسلم: “إذا قال رجل لرجل أنت عدوِّي فقد كفر أحدهما”. لفظه في البخاري بعد ذكر الإسناد أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما”.
وفي رواية أخرى عن أبي ذر أنَّه: سمع النبيء صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يرمي رجل رجلا بالفسق ولا يرميه بالكفر إلاَّ ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك“.
قال ابن حجر: وهذا يقتضي أنَّ من قال لآخر: أنت فاسق أو قال له: أنت كافر، فإن كان ليس كما قال كان هو المستحق للوصف المذكور، وأنَّه إذا كان كما قال لم يرجع عليه شيء لكونه صدق فيما قال، ولكن لا يلزم من كونه لا يصير بذلك فاسقا ولا كافرا أن لا يكون آثما في صورة قوله: “أنت فاسق “، بل في هذه الصورة تفصيل:
إن قصد نصحه أو نصح غيره ببيان حاله جاز، وإن قصد تعييره وشهرته بذلك ومحض أذاه لم يجز؛ لأنَّه مأمور بالستر عليه وتعليمه وموعظته بالحسنى، فمهما أمكنه ذلك بالرفق لا يجوز له أن يفعله بالعنف؛ لأنَّه قد يكون سببا لإغرائه وإصراره على ذلك الفعل، كما في طبع كثير من الناس من الأنفة، لاسيما إن كان الأمر دون المأمور في المنزلة" … الخ.
ثم لما كان الكفر عندهم خاصا بالشرك اختار في تأويل هذه الأحاديث المصرِّحة بكفر الموحِّد، فقال: قال النووي: اختلف في تأويل هذا الرجوع:
فقيل: رجع عليه الكفر إن كان مستحلاًّ، وهذا بعيد من سياق الخبر. وقيل محمول على الخوارج لأنهم يكفِّرون المؤمنين.
هكذا نقله عياض عن مالك وهو ضعيف؛ لأنَّ الصحيح عند الأكثرين أنَّ الخوارج لا يكفَّرون ببدعتهم، إلى أن قال: والتحقيق أنَّ الحديث سيق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم، وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم.
وقيل: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره، وهذا لا بأس به، وقيل: يخشى عليه أن يئول به ذلك إلى الكفر إلى أن قال: