الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٠٠الرابع: ما يحصل بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانيتها بزعمهم. قال ابن حزم: ومنه ما يوجد من الطلسمات، كالطابع المنقوش فيه صورة عقرب، في وقت كون القمر في العقرب، فينفع إمساكه من لدغة العقرب، وكالمشاهد ببعض بلاد المغرب، وهي سَرقسطه بأنَّه لا يدخلها ثعبان قطُّ إلاَّ إن كان بغير إرادته. وقد يجمع بعضهم بين الأمرين بزعمهم. إلى أن قال:
ثم السحر يطلق ويراد به الآلة التي يسحر بها، ويطلق ويراد به فعل الساحر، والآلة تارة تكون معنى من المعاني فقط كالرقيا والنفث في العُقد، وتارة تكون بالمحسوسات كتصوير صورة على صورة المسحور، وتارة يجمع بين الأمرين بالحس والمعنى، وهو أبلغ.
واختلف في السحر فقيل: هو تخييل، ولا حقيقة له، وهذا اختيار أبى جعفر الأسترباذي من الشافعية، وأبي بكر الرازي من الحنفية، وابن حزم الظاهري وطائفة.
قال النووي: والصحيح أنَّه حقيقة، وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدلُّ عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة.
لكنَّ محلَّ النزاع هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا؟ فمن قال إنَّه تخييل منع ذلك فقط ومن قال له حقيقة اختلفوا هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج، فيكون نوعا من الأمراض أو ينتهي إلى الإحالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه؟
فالذي عليه الجمهور هو الأوَّل، وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني.
فإن كان بالقدرة الإلهية فمسلم، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف، فإنَّ كثيرا ممن يدعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه.
ونقل الخطابي أنَّ قوما أنكروا السحر مطلقا؛ وكأنه عنى القائلين بأنَّه تخييل فقط، وإلاَّ فهي مكابرة.
قال المازرى: جمهور العلماء على إثبات السحر، وأنَّ له حقيقة. ونفى بعضهم حقيقته، وأضاف أنَّ ما يقع منه ما هو إلاَّ خيالات باطلة، وهو مردود لورود النقل بإثبات السحر؛ ولأنَّ العقل لا ينكر أنَّ الله قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفَّق، وتركيب أجسام، أو مزج بين قوي على ترتيب مخصوص.