الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٠٢وقد استدِلَّ بهذه الآية على أنَّ السحر كفر، أي شرك، ومتعلِّمه كافر، وهو واضح في بعض أنواعه التي قدمتها، وهو التعبد للشياطين أو الكواكب.
وأمَّا النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة، فلا يكفر من تعلَّمها أصلا.
قال النووي: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع. وقد عدَّه النبيء صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفرا، ومنه ما لا يكون كفرا، بل معصية كبيرة. فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر، وإلاَّ فلا.
وأمَّا تعلمه وتعليمه فحرام، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر كفر واستتيب منه، ولا يقتل، فإن تاب قُبلت توبته. وإن لم يكن فيه ما يقتضي الكفر عزِّر.
وعن مالك: الساحر كافر، يُقتل بالسحر، ولا يستتاب، بل يتحتم قتله كالزنديق. قال عياض: ويقول مالك: قال أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين.
إلى أن قال: وقد أجاز بعض العلماء تعلُّم السحر لأحد أمرين: إمَّا لتمييز ما فيه كفر من غيره، وإمَّا لإزالته عمَّن وقع فيه:
أمَّا الأول: فلا محذور فيه، إلاَّ من جهة الاعتقاد، فإذا سلم الاعتقاد، فمعرفة الشيء بمجرَّده لا يستلزم منعا، كمن يعرف عبادة أهل الأوثان - إلى أن قال - بخلاف تعاطيه والعمل به.
وأمَّا الثاني: فإن كان لا يتمُّ كما زعم بعضهم إلاَّ بنوع من أنواع الكفر أو الفسق، فلا يحلُّ أصلا، و إلاَّ جاز للمعنى المذكور. إلى أن قال:
وفي إيراد المصنف، يعني البخاري، هذه الآية إشارة إلى اختيار الحكم بكفر الساحر، لقوله فيها: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ، يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102]. فإنَّ ظاهرها أنَّهم كفروا بذلك، ولا يُكفر بتعليم الشيء إلاَّ وذلك الشيء كفر.
وكذا قوله في الآية على لسان الملكين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ “ [البقرة: 102]، فإنَّ فيه إشارة إلى أنَّ تعلم السحر كفر، فيكون العمل به كفرا. وهذا كلُّه واضح على ما قررته من العمل ببعض أنواعه.