الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٠٣وقد زعم بعضهم أنَّ السحر لا يصحُّ إلاَّ بذلك، وعلى هذا فتسمية ما عدا ذلك سحرا مجاز، كإطلاق السحر على القول البليغ، إلى أن قال في قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمُ، أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: 66]، هذه الآية عمدة من زعم أنَّ السحر إنما هو تخييل، ولا حجَّة له منها؛ لأنَّ هذه وردت في قصَّة سَحرة فرعون، وكان سحرهم كذلك، ولا يلزم منه أنَّ جميع أنواع السحر تخييل.
قال أبوبكر الرازي في الأحكام: أخبر الله تعالى أنَّ الذي ظنه موسى من أنَّها تسعى لم يكن سعيا وإنَّما كان تخييلا، وذلك أنَّ عِصيَّهم كانت مجوَّفة قد ملئت زئبقا، وكذلك الحبال كانت من أدم محشوة زئبقا، وقد حفروا قبل ذلك أسرابا، وجعلوا لها إزاجا، وملئوها نارا، فلمَّا طُرحت على ذلك الموضع، وحمى الزئبق حرَّكها؛ لأنَّ من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فلمَّا أثقلته كثافة الحبال والعصي صار يتحرَّك بحركته، فظنَّ من ورائها أنها تسعى.
ثم قال بعد ذلك بكلام طويل يتعلق بشرح حديث سحر النبيء صلى الله عليه وسلم ما نصه: تكميل: قال ابن القيم: مِن أنفع الأدوية وأقوى ما يؤخذ من النشرة مقاومة السحر الذي هو من تأثير الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية، من الذكر والدعاء والقراءة. فالقلب إذا كان ممتلئا من الله معمورا بذكره وله ورد من الذكر والتوجُّه لا يخل به، كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له. قال: وسلطان تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة، وهذا غالبا ما يؤثِّر في النساء والصبيان والجهَّال؛ لأنَّ الأرواح الخبيثة إنَّما تتسلط على أرواح تلقَاها مستعدَّة لما يناسبها. انتهى ملخَّصا.
ويعكِّر عليه حديث الباب، وجواز السحر على النبيء صلى الله عليه وسلم، مع عظم مقامه، وصدق توجهه، وملازمة ورده، ولكن يمكن الانفصال عن ذلك بأنَّ الذي ذكره محمول على الغالب، وأنَّ ما وقع به صلى الله عليه وسلم لبيان تجويز ذلك. والله أعلم.
قوله:» من أتى رجلا شهوة من دون النساء، أو أتى النساء في أعجازهن فقد كفر «لم أظفر بلفظ هذا الحديث في البخاري، ولا في الجامع، وإنما روى حديثا