الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢١١مقدِّمة كبرى في إثبات كلِّ حكم شرعي ونفيه؛ لأنَّ منطوقه مقدِّمة كلية في كل دليل ناف لحكم مثلا أن يقال في الوضوء بماء نجس: “ليس هذا من أمر الشرع، وكلُّ ما كان كذلك فهو مردود، فهذا العمل مردود” فالمقدِّمة الثانية ثابتة بهذا الحديث. وإنما يقع النزاع في الأولى، ومفهومه أنَّ من عمل عملا عليه أمر الشرع فهو صحيح، مثل أن يقال في الوضوء بالنية: "هذا عليه أمر الشرع، وكلُّ ما عليه أمر الشرع فهو صحيح" فالمقدِّمة الثانية ثابتة بهذا الحديث، والأولى فيها النزاع، فلو اتفق أن يوجد حديث يكون مقدِّمة أولى في إثبات كلِّ حكم شرعي ونفيه لاستقلَّ الحديثان بجميع أدلة الشرع، لكن هذا الثاني لا يوجد، فإذًا حديث الباب نصف أدلة الشرع.
وقوله:» رد «معناه مردود، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، مثل خلق ومخلوق ونسج ومنسوج، فكأنه قال: فهو باطل غير معتدٍّ به. واللفظ الثاني وهو قوله: “من عمل أعم من اللفظ الأوَّل وهو قوله: “من أحدث “ فيحتج به في إبطال جميع العقود المنهية، وعدم وجود ثمراتها المترتبة عليها. وفيه ردُّ المحدثات، إلى أن قال: لأنَّ المنهيات كلّها ليست من أمر الدين فيجب ردها.
ويستفاد منه أنَّ حكم الحاكم لا يغيِّر ما في باطن الأمر، لقوله: “ليس عليه أمرنا” والمراد به أمر الدين. وفيه أنَّ الصلح الفاسد منتقض، والمأخوذ عليه مستحقُّ الرد. والله أعلم.
وفي بعض روايات البخاري في فضل المدينة من حديث فيه طول: “المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل" … الحديث.
قال ابن حجر: في محدث (بضم أوله، وسكون الحاء المهملة، وبعد الدال مثلثة) أي أحدث المعصية. إلى أن قال:
قال ابن بطال: دلَّ الحديث على أنَّ من أحدث حدثا أو آوى محدثا في غير المدينة أنَّه غير متوعد بمثل ما توعد به من فعل ذلك بالمدينة. وإن كان قد علم أنَّ من آوى أهل المعاصي أنَّه يشاركهم الإثم، فإنَّ من رضي فعل قوم وعملهم التحق بهم، ولكن خُصت المدينة بالذكر لشرفها، لكونها مهبط الوحي، وموطن الرسول عليه