الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٤٣واختلفوا في إمامة الفاسق فردها قوم بإطلاق، وأجازها آخرون بإطلاق، وفرّق قوم بين الفاسق المتأوّل وغيره. وسبب الخلاف أَنَّهَا مسألة مسكوت عنها في الشرع، والقياس لَها معارض. فمن حمل عموم قوله عليه السلام: "صلوا خلف كل بارّ و فاجر" وقوله: "يؤمّ القوم أقرؤهم" أجاز الصلاة خلفه بإطلاق، ومن قاس الصلاة على الشهادة فاتهمه في فساد الصلاة كمَا اتهم في الشهادة ردّها بإطلاق … الخ، ولم يذكر حجة من فرق بين الفاسق المتأول وغيره. والذي مشى عليه صاحب الإيضاح رحمه الله هو هذا القول حيث قال: وَأَمَّا المخالف فَإِنَّهُ تجوز الصلاة خلفه ما لم يدخل فيها ما يفسدها .. الخ.
وَيَدُلُّ لهذا القيد أيضا قول صاحب القواعد رحمه الله: وقال أصحابنا لا تجوز الصلاة خلف من علِمته يقنت في الصلاة. قالوا: ومن صلى خلفه وهو غير عالم به فلا بأس بصلاته. وقال أصحابنا: الصلاة خلف من لا ولاية له صلاة واحدة. وقال أيضا في محل آخر: ولم يجز أصحابنا الصلاة خلف من يقنت فيها أو يقول: "ولا الضالين آمين" لأنَّها من كلام الآدميين. والله أعلم. فكلاهما رحمهما الله صريح في جواز الصلاة خلف الفاسق المتأول الذي لم يحدث فيها، أَمَّا الفاسق بالجارحة فكلام صاحب القواعد صريح في جوازها خلفه أيضا إِلاَّ أَنَّهُ لا فضل فيها. والمختار عند صاحب الإيضاح أَنَّهَا لا تجوز- كما تقدم - حيث قاسها على الشهادة، وَلَكِنَّهُ مخالف لظاهر حديث الباب ولِنَصّ أصحابنا حيث قالوا: الصلاة خلف من لا ولاية له صلاة واحدة والله أعلم.
قوله: «صلوا على كل بارٍّ وفاجر» يعني من أهل القبلة، وترك التقييد للعلم به وغيَّر الأسلوب للإشارة إِلاَّ أن الأُولى جائزة والثانية واجبة. ولكن خَصَّ أصحابنا من ذلك أجناسا كما تقدم عن الإيضاح.