الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٥٥وأما القسم الثالث وهو الكراهة ـ إلى أن قال ـ يقال: أكره الرجل على كذا وكذا إذا فعله مجبورا مضطرا إليه من غير إرادة ولا اختيار ولا حبّ ولا رضى، فإذا أراد واختار وأحَبّ ورضي فهو غير معذور. والإكراه إنما ينفي الإرادة والمحبة والرضى و الكراهة من وادي البغض والعداوة.
وهذا القسم هو نقطة الدائرة وعليه مدار الفصل فإن الاختياري المختار مكلف وفاقا، ونقيضه وهو الاضطراري غير مكلف وفاقا، والتنازع في الثالث هل يتعلق به التكليف أم لا؟ فالمذهب فيه إنما يتعلق باللسان من الشرك والكفر وبراءة المسلمين وولاية الكافرين وتسفيه الحق، وتصويب الباطل والطلاق والعتاق والبيع والشراء والنكاح و الإنكاح وجميع ما يتعلق باللسان فهو واسع وإن كان هذا كله يتعلق به التكليف فهو معذور فيه محطوط عنه فيه الإثم، والتكليف مرفوع فيه. وأما ما يتعلق بالجوارح أو فيه فساد الأنفس فلا يسع وهو مكلف فيه مأمور منهي متعبّد في ذلك.
قال رحمه الله: ونضع هاهنا قاعدة يتمهد منها دخول أفعال المكره بجوارحه تحت التكليف، ونحقق أن المكره يفعل باختيار وقصد وإرادة واكتساب وأنه في عمل الجوارح ممن يتعلق به خطاب الشارع فنقول: اِعلم أن المكره هو الذي يضطر إلى أن يعمل بجوارحه فعلا بقصد واختيار وإرادة فإن مَن به رعشة ورعدة وحركة ضرورية فلا يُتصور فيه إكراه إلا على تحريك جارحة من جوارحه بإكراه، ولا يتصور إكراه إلا على فعل يقع من المكتسب بقصد إليه واكتساب واختيار. فمهما تمهدت لك هذه القاعدة فاعلم أن المكره الذي تواضعت عليه الفقهاء وتخاطبوا فيه هو الذي يخوَّف ويُضطر إلى أن يحرك يده أو جارحة من جوارحه على اختيار واقتدار بقصد وتعمد. فإذا أحطت علما بهذا المثال قطعت بأن أفعال المكره مقدورة له مكتسبة مقصودة له بإرادة منه لها مختارة له من غيرها، فحينئذ تقطع بتكليفه وإلزامه في جميع ما يدخل تحت وسعه واقتداره.