الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٥٧لا لكن كلام ابن مسعود رحمه الله يدل على أنه يكفي في التقية مجرد الخوف، وأنه لا فرق في جميع ما يتعلق باللسان. قال في السؤالات وإن أجبروه على الفتي والفتوى جميعا بغير الحق فلا يجوز له ذلك. قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " لو علمت كلمة أقي بها عن نفسي ضربة سوطين لقلتها" ولم يخصّ كلمة دون أخرى. والله أعلم، فليحرر.
وتكلم الشارح رحمه الله على معنى التورية عند من يشترطها قال: ومعناها أن تذكر شيئا وترى سامعك أنك تريد معناه وأنت تريد غيره، المعاريض إلى أن قال: وحقيقته إيهام السامع بمعنى وفي نفسك خلافه، الخ. وظاهر كلامه رحمه الله بل صريحه أن المكره على فعل الجوارح مكلف مختار، وأن المكره على ما يتعلق باللسان غير مكلف ولا مختار وإنما هو مجبور مضطر ملجأ، مع أنك إذا تأملت وجدت لا فرق بين تحريك يده مثلا ولسانه في أن كلا منهما داخل تحت قدرته.
فمدار الفرق - والله أعلم - أن ما يتعلق باللسان يشترط فيه موافقة القلب وهي مفقودة فلم يتمّ في الحقيقة ما أكره عليه، فلذلك لم يؤاخذ وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنُ اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ، مُطْمَئِنُّم بِالاِيمَانِ﴾ [سورة النحل:106].
فلو وافق القلب عند الإكراه ما نطق به اللسان لأخذ بذلك وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ وأما ما يتعلق بالجوارح غير اللسان فإنه لا يتوقف على شيء، فإذا فعله فقد تم ما أكره عليه، وهو لا يجوز له لأنه قصده ورجحه على نزول العقوبة به فلذلك أوخذ به. والله أعلم.