الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٦٩أقول والله أعلم: يعني قوله تعال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ اِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ، كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل:40]. وفيه أن المراد بقوله: ﴿كُنْ﴾ سرعة التكوين، لا أنه يخاطبه بذلك، لأن مخاطبة المعدوم محال، والله أعلم.
قال: وحاصله وجود شيء في وقت وعلى حال يوافق العلم والإرادة والقول، وقدَّر الله الشيء بالتشديد قضاه ويجوز بالتخفيف. وقال ابن القطاع: قدر الله الشيء، جعله بقدر، والرزق منعه، وعلى الشيء ملكه إلى أن قال: وقال الكرماني: المراد بالقدر حكم الله، وقالوا أي العلماء: القضاء هو الحكم الكلي الإجمالي في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الحكم وتفاصيله.
وقال المظفر بن السمعاني: سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة، دون محض القياس والعقل، فمن عدل عن التوقيف فيه ضلّ، وتاه في بحر الحيرة، ولم يبلغ شفاء النفس ولا ما يطمئن به القلب، لأن القدر سر من أسرار الله تعالى، اختص العليم الخبير به، وضرب دونه الأستار وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم، لما علمه من الحكمة، فلم يعلمه نبيء مرسل ولا ملك مقرّب. وقيل: إن سر القدر ينكشف لهم إذا دخلوا الجنة، ولا ينكشف قبل دخولها، اهـ.
وقد أخرج الطبراني بسند صحيح من حديث ابن مسعود رفعه: "إذا ذُكِر القدر فأمسكوا". وأخرج مسلم من طريق طاوس: أدركنا ناسًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: "كل شيء بقدر" وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر حتى العجزَ والكيسَ) قال: قلت: والكيس بفتح الكاف، ضد العجز، ومعناه الحذق في الأمور، ويتناول أمور الدنيا والآخرة.
ومعناه أن كل شيء لا يقع في الوجود إلا وقد سبق به علم الله ومشيئتُه، وإنما جعلهما في الحديث غاية لذلك للإشارة إلى أن أفعالنا وإن كانت معلومة لنا، ومرادة منا، فلا تقع مع ذلك منا إلا بمشيئة الله.