الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٧٠وهذا الذي ذكره طاوس مرفوعا وموقوفا مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:49] فإن هذه الآية نص في أن الله تعالى خالق كل شيء و مقدّره، و هو أخص من قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:102]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:96].
واشتهر على ألسنة السلف والخلف أن هذه الآية نزلت في القدرية، وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة: "جاء مشركو قريش يخاصمون النبيء صلى الله عليه وسلم في القدر فنزلت الخ" فذكر أن الإيمان بالقدر من أركان الإيمان.
أقول: وهو كذلك كما يدل عليه سؤال جبريل المتقدم، وتقدم بيان مقالة القدرية وكيفية الرد عليهم، وذلك أنهم يُسْألون عن العلم، فإن أقروا به أقروا بالقدر، لكن كفى في الرد عليهم نصوص القرآن.
قال ابن حجر: ومذهب السلف قاطبة، أن الأمور كلها بتقدير الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ اِلاَّ عِندَنَا خَزَآئِنُهُ، وَمَا نُنَزِّلُهُ، إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الحجر:21]. وقال في محل آخر في معنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: 38]. أي: حكما مقطوعا به، والمراد بالأمر واحد الأمور المقدرة. يحتمل أن يكون واحد الأوامر، لأن الكل موجود بكن. وفي كونه موجودا بكن تأمل، لأن المراد به سرعة التكوين من غير مخاطبة بقوله: ﴿كن﴾ ، لأن مخاطبة المعدوم محال، ومخاطبة الموجود بقوله ﴿كن﴾ يستلزم تحصيل الحاصل وهو محال أيضا، والله أعلم.
قوله: «القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تصلّوا عليهم» لفظه في الجامع: " وإن ماتوا فلا تشهدوهم " ولعل المراد التغليظ، وإلا فالصلاة واجبة على الموتى المقرِّين بالله ورسوله، والدليل على أنهم ليسوا بمشركين،
إضافتهم إلى هذه الأمة.