حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٧٦

في لفظ حديث منها: " أن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه فقال: أي رب أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما الأجل؟ ما الأثر؟ بأي أرض تموت؟ فيقال له انطلق إلى أم الكتاب فإنك تجد قصة هذه النطفة فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب تُخْلَقُ فتأكل أرزاقها وتطأ أثرها، فإذا جاء أجلها قبضت ودفنت في المكان الذي قُدِّر لها.

وزاد في بعض رواية حديث ابن مسعود رضي الله عنه: "أن الملك يقول: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما، وإن قيل مخلقة قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ وذكر ما تقدم.

فقوله: " أن النطفة إذا استقرت" يعني بهذا الاستقرار صيرورة النطفة علقة ومضغة، لأن النطفة قبل ذلك غير مجتمعة - كما تقدم - فإذا اجتمعت وصارت ماء واحدا علقة أو مضغة أمكن حينئذ أن تؤخذ بالكف وسماها نطفة في حال كونها علقة أو مضغة باسم مبدئها، والله أعلم الخ.

قال بعد كلام طويل: و حاصله أن بعث المَلَك المذكور في هذا الحديث إنما هو بعد الأربعين الثالثة التي هي مدة التصوير، كما دل على ذلك ما قدمناه قبل هذا، وسمى المضغة نطفة بمبدئها، ألا ترى إلى قوله: يعني وجلدها وعظامها فعطف بالفاء المرتبة، وهذا لا يكون حتى تصل النطفة إلى حال نهاية المضغة كما دل عليه ما تقدم. وبهذا تتفق الروايات ويزول الاضطراب المتوهم فيها، والله اعلم.

ونسبة الخلق والتصوير إلى الملك نسبة مجازية لا حقيقية، وإنما صدر عنه فعل ما كان في المضغة عند التصوير والتشكيل بقدرة الله تعالى وخلقه واختراعه. ألا ترى أن الله تعالى قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية وقطع سبب جميع الخلق، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف:11]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فيِ قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون: 12 - 14]، ا لآية.

١٬٤٩٧ / ١٬٩٦٦