حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٨٠

إليكم رسلا يذكرونكم عهدي وميثاقي، ومنزّل عليكم كتابا، تكلّموا جميعا فقالوا: شهدنا أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك، فأخذ بذلك ميثاقهم، ثم كتب آجالهم وأرزاقهم ومصائبهم، فنظر إليهم آدم فرأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب فلِمَ لا سوَّيت بينهم؟ فقال: إني أحب أن أُشكر، فلما أقرّهم بتوحيده وأشهد بعضهم على بعض أعادهم إلى صلبه، فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ ميثاقه فذلك قوله: ﴿وَإِذَ اَخَذَ رَبُّكَ مِنم بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ … ﴾ [الأعراف:172] أي من ظهور بني آدم ذريتهم .. الخ. فذكر القرءات، ثم قال: فإن قيل ما معنى قوله: ﴿وَإِذَ اَخَذَ رَبُّكَ مِنم بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ وإنما أخرجهم من ظهر آدم.

قيل إن الله تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتولد الأبناء من الآباء في الترتيب، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم لماّ علم أنهم كلهم بنوه وأُخرِجوا من ظهره، قوله عز وجل: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمُ، أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ أي شهد بعضهم على بعض قوله: شهدنا أن تقولوا. قرأ أبو عمران: يقولوا بالياء، وقرأ الآخرون بالتاء فيهما، لواختلفوا في قوله: (شهدنا) قال السدي: هوخبر من الله عز وجل عن نفسه وملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم.

وقال بعضهم: هو خبر عن قول بني آدم حين أشهد الله بعضهم على بعض، فقالوا: بلى شهدنا

وقال الكلبي ذلك من قول الملائكة وفيه حذف تقديره لمّا قالت الذرية: بلى، قال الله للملائكة: اشهدوا، قالوا: شهدنا، فقوله: ﴿أن يقولوا﴾ يعني:”وأشهدهم على أنفسهم أن يقولوا“ أي: ”لئلا يقولوا“ ومن قرأ بالتاء فتقدير الكلام: ”أخاطبكم ألست بربكم لئلا تقولوا يوم القيامة ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:172] عن هذا الميثاق والإقرار“ فإن قيل فكيف تلزم الحجة واحدا لا يذكر ذلك الميثاق؟ قيل: قد أوضح الله الدليل على وحدانيته وصدق رسوله فيما أخبر، فمن أنكر معاندا ناقضا للعهود لزمته الحجة، ونسيانهم وعدم حفظهم لا يسقط الاحتجاج بعد إخبار المخبر الصادق صاحب المعجزة.

١٬٥٠١ / ١٬٩٦٦