الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٨١قوله: «﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَآ أَشْرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّنم بَعْدِهِمُ﴾» [الأعراف:173] أي كنا تبعا لهم فاقتدينا بهم فتجعلوا هذا عذرا لأنفسكم وتقولوا: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:173] أفتعذبنا بجناية آبائنا المبطلين؟ فلا يمكنكم أن تحتجوا بمثل هذا الكلام بعد تذكير الله تعالى بأخذ الميثاق، الخ.
وإنما سقت هذا الكلام مع طوله لتعلقه بأخذ الميثاق على بني آدم وانقطاع عذرهم بالنظر إليه، والله يفعل في ملكه ما يشاء، ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:23] ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وذكر صاحب الوضع رحمه الله في مناسك الحج، أن إقرار بني آدم عند أخذ الميثاق أودع عند الحجر الأسود، فإنه قال بعد كلام يتعلق بتقبيله، فقال عمر: يا أبا الحسن، وما تاويله من كتاب الله؟ فقال: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَ اَخَذَ رَبُّكَ مِنم بَنِي ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ … ﴾ الآية، فلما أقروا بالعبودية كتب إقرارهم في رقّ فألقمه هذا الحجر، فهو أمين الله في هذا المكان يشهد لمن وفاه يوم القيامة.
قوله: «فأبت طائفة وأجابت طائفة الخ»، ظاهره أنهم فعلوا ذلك ابتداء، وأنهم انقسموا قسمين فقط، والذي أحفظه أنهم انقسموا أولا إلى أربعة أقسام، ورجعوا بآخرة الأمر إلى قسمين.
وذلك أنهم حين أمروا بالسجود، سجدت طائفة فاستمرت على السجود وهم المؤمنون من أول الأمر إلى آخره، وأبت طائفة فاستمرت على الإباء وهم الكافرون من أول الأمر الخ، ثم نظرت طائفة من الذين سجدوا إلى الذين لم يسجدوا فقالوا: ما بال هؤلاء لم يسجدوا ونحن سجدنا؟ فرجعوا عن السجود ففعلوا مثلهم، وهم الذين آمنوا أولا ثم كفروا وماتوا على كفرهم، ثم نظرت طائفة من الذين لم يسجدوا إلى الذين سجدوا فقالوا: ما بال هؤلاء سجدوا ونحن لم نسجد؟ فسجدوا واستمروا على السجود وهم الذين كفروا أولا، ثم تابوا وماتوا على الإيمان.
جعلنا الله ممن ختم لهم بالسعادة أمين