حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٨٢

قوله: «فهذه الروايات تدل على أن الله خلق فعل العبد وأن العبد لم يفعله دون الله إذ قدره وعلمه الخ» فيه إشارة إلى أن فعل العبد له جهتان: جهة خلق تضاف إلى الله، وجهة كسب بحركة وسكون تضاف إلى العبد.

قال في القناطر في الرد على القدرية: ويروى أن رجلا سأل علي بن أبي طالب عن القدر، فقال: تسألني عن شيء تملكه مع الله أومن دون الله؟ إياك أن تتكلم فأضرب عنقك، قال: ولم يا أمير المؤمنين؟ فقال: نعم إن كنت تملكه مع الله، فقد جعلت نفسك شريكا مع الله، وإن كنت تملكه من دون الله، فقد جعلت نفسك معبودا من دون الله. قال له: فما المخرج يا أمير المؤمنين؟ قال: أنت المالك لما ملّكك، والقادر على ما عليه أَقدَرَك، ولا حول لك عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة لك على طاعة الله إلا بتوفيقه. أما سمعت الناس يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إلى أن قال: فلا يجري في العالم من حركة وسكون، ونفع وضر، وطاعة ومعصية، وإيمان وكفر، إلا بما جري به القلم وسبق به القضاء والقدر، وكذلك لا يطير طائر بجناحيه ولا يدب حيوان على بطنه أو رجليه، ولا تسقط ورقة، ولا تطرب بعوضة إلا بقضاء وقدر، وإرادة من الله تعالى ومشيئته، لا يجري بشيء من ذلك إلا وقد سبق به علمه، قال الله سبحانه: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الاَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمُ، إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ [الحديد:22] يعني من قبل أن نخلقها، يعني النفس. وقيل: قبل أن تخلق المصيبة، وقال لنبيه عليه السلام: ﴿ … قُل لَّنْ يُّصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة:51] وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال:" قدر الله المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، فالواجب على الإنسان امتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، ولا يتكلف الخوض في القضاء والقدر، فإن ذلك من مخزون علم الله الذي استأثر به عن الخلق ﴿ … لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:23] ثم قال في محل آخر: اعلم أن زمام الأمور التوفيق، ولم ينزل من السماء إلى الأرض أقل من التوفيق وهو مقرون بالاجتهاد.

قال الله تعالى: ﴿وَالذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:69]،

١٬٥٠٣ / ١٬٩٦٦