حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٨٨

قوله: «كَتب» في رواية "كتب في كتابه"، أي: أمر القلم أن يكتب في اللوح المحفوظ، إلى أن قال: وقال الخطابي: المراد بالكتاب أحد شيئين: إما القضاء الذي قضاه الله، كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة:21]، أي قضى ذلك. ويكون معنى قوله: "فوق العرش" أي: عنده علم ذلك، فهو لا ينساه ولا يبدله، كقوله: ﴿فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ [طه:52]. وأما اللوح المحفوظ الذي فيه أصناف الخلق، وبيان أمورهم وآجالهم وأرزاقهم وأحوالهم، ويكون معنى قوله: "فهو عنده فوق العرش "، و ذكره وعلمه، وكل ذلك جائز في التخريج الخ. إلى آخر ما أطال فيه من تنزيه الله تعالى عن المكان والحلول، وغير ذلك من صفات الأجسام.

ثم قال: قال ابن أبي جمرة: يؤخذ من كون الكتاب المذكور فوق العرش، أن الحكمة اقتضت أن يكون العرش حاملا لما شاء من أثر حكمة الله، وقدرته وغامض غيبه، ليستأثر هو بذلك من طريق العلم والإحاطة، فيكون من أكبر الأدلة على انفراده بعلم الغيب. وقد يكون ذلك تفسيرا لقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:05]، أي: ما شاء من أمر قدرته، و هو كتابه الذي وضعه فوق العرش.

وأما قوله: "عنده"، فقال ابن بطال: عند في اللغة: للمكان، والله منزه عن الحلول في المواضع، لأن الحلول عرض يفنى، وهو حادث، والحوادث لا تليق بالله. فعلى هذا قيل معناه: أنه سبَق علمه بإثابة من يعمل بطاعته، وعقوبة من يعمل بمعصيته.

ويؤيده قوله في الحديث الآخر: "أنا عند ظَنِّ عبدي بي"، ولا مكان هناك قطعا.

وقال الراغب: "عند" لفظ موضوع للقرب، ويستعمل في المكان وهو الأصل، و يستعمل في الاعتقاد، - إلى أن قال - ويستعمل في المرتبة، ومنه ﴿اَحْيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران:169]، وأما قوله: ﴿إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال:32]، فمعناه في حكمك.

١٬٥٠٩ / ١٬٩٦٦