حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٨٩

وقال ابن التين: معنى العِنْدِية في الحديث، العلم بأنه موضوع على العرش، وأما معنى كتبه فليس للاستعانة لئلا ينساه، فإنه منزه عن ذلك، لا يخفى عنه شيء، وإنما كتب من أجل الملائكة الموكلين بالمكلفين.

وقيل: معناه دون العرش، وهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَّضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:26]، والحامل على هذا التأويل استبعاد أن يكون شيء من المخلوقات فوق العرش.

ولا محذور في إجراء ذلك على ظاهره، لأن العرش خلق من خلق الله تعالى.

ويحتمل أن يكون المراد بقوله "فهو عنده" أي ذَكَرَه، أو عَلِمَه، فلا تكون العندية مكانية، بل هي إشارة إلى كمال كونه مخفيا عن الخلق، مرفوعا عن حيِّز إدراكه.

إلى أن قال في قوله: "سبقت غضبي"،المراد بالغضب لازمه، وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، والسبق والغلبة باعتبار التعلق، أي تعلق الرحمة غالب سابق على تعلق الغضب، لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة، وأما الغضب فإنه يتوقف على سابقة عمل من العبد الحادث. وبهذا التقرير يندفع إشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض المواطن الخ، فمثله بما يناسب مذهبه.

قال: وقيل معنى الغلبة الكثرة والشمول، تقول غلب على فلان الكرم أي: أكثر أفعاله، وهذا كله بناء على أن الرحمة والغضب، من صفات الذات.

وقال بعض العلماء: الرحمة والغضب، من صفات الفعل لا من صفات الذات، ولا مانع من تقدم بعض الأفعال على بعض، فتكون الإشارة بالرحمة إلى إسكان آدم الجنة أول ما خُلِقَ مثلا، ومقابله ما وقع من إخراجه منها. وعلى ذلك استمرت أحوال الأمم بتقديم الرحمة في خلقهم بالتوسيع عليهم من الرزق وغيره، ثم يقع بهم العذاب على كفرهم، إلى أن قال: وقال الطيبي: في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، الخ.

١٬٥١٠ / ١٬٩٦٦