حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٩٠

أقول: ويدل لهذا القول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُوَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾ [النحل:61]، قلنا: وإنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق، فالرحمة تشمل الشخص جنينا ورضيعا وفطيما وناشئا، قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك.

قال: لأن الرحمة في اللغة: رقة القلب، والغضب: انحسار النفس وغليان الدم. وكله محال على الله، فوصفه تعالى بهما مجاز لابد من تأويله.

و اختلف العلماء في ذلك فقالوا: الرحمة والغضب والرضى في حقه تعالى، إما يرجعان إلى صفة معنى، هي صفة الذات وهي: الإرادة، فإرادته الإثابة للمطيع، ومنفعته للعبد تسمى: رضى ورحمة، وإرادته عقاب العاصي وخذلانه، يسمى: غضبا، فهو مجاز. وإرادته سبحانه وتعالى صفة له قديمة، فهي واحدة، أو يرجعان إلى نفس التنعيم والعقاب، فهما من صفات الأفعال، وهذان قولان للمحققين. وزاد بعضهم: رجوعهما إلى صفة الكلام، بمعنى الثناء أو الذم.

أقول: ويمكن الجمع بمثل هذا بين أصحابنا من أهل المغرب، وبين أصحابنا من أهل الجبل، و المشارقة، فإن أهل المغرب يقولون: إن السخط والرضى صفتا ذات، ترجعان إلى الولاية والعداوة، وأهل الجبل و المشارقة يقولون: إنهما من أفعاله، مرادا بهما الثواب والعقاب كما بين في محله، والله أعلم، فليراجع.

فيؤول الأمر إلى أن الخلاف بينهم رحمهم الله في الحقيقة لفظي، والله أعلم.

قوله: «صنفان من أمتي لا تنالهما شفاعتي»، ذكر في الجامع فيهما روايات.

منها: "صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب، المرجئة والقدرية"، ومنها: "صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي يوم القيامة، المرجئة والقدرية"، ومنها: "صنفان من أمتي لا يَرِدان على الحوض، ولا يدخلان الجنة، القدرية والمرجئة"، وقد تقدم الكلام عليهما بما فيه كفاية، لكن ذكر العلقمي فيهما كلاما لا بأس بإيراده.

١٬٥١١ / ١٬٩٦٦