حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٩٢

والصواب أن لا يسارع إلى تكفير أهل الأهواء المتأولين، لأنهم أي القدرية لا يقصدون بذلك اختيار الكفر، وقد بذلوا وسعهم في إصابة الحق، فلم يحصل لهم غير ما زعموا، فهم إذًا بمنزلة الجاهل أو المجتهد المخطىء، وهذا القول هوالذي ذهب إليه المحققون من علماء الأمة نظرا واحتياطا، فجرى قوله "ليس لهما نصيب "، مجرى الاتساع في بيان سوء خطئهم، وقلة نصيبهم من الاسلام، نحو قولك للبخيل: ليس له من ماله نصيب.

وقال في النهاية: المرجئة: فرقة من فرق الاسلام، يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. سموا مرجئة لاعتقادهم أن الله تعالى أرجأ تعذيبهم على المعاصي، أي أخره عنهم، الخ.

أقول: هذا مما يدل على أن المرجئة هم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل، فلا معنى للتغليط المتقدم. والمصنف رحمه الله، إنما ساق الحديث للاستدلال على المرجئة فدل على أن الجبرية يسمون مرجئة، لكن الظاهر كما تقدم أن المرجئة فرقتان، والله أعلم.

ثم رأيت في غالب النسخ، والقدرية الذين يعملون بالمعاصي، الخ. فعلى هذا يكون للقدرية إطلاقان، أحدهما: الذين ينفون عن أفعالهم قدر الله، ويضيفونها لأنفسهم، ويقولون إن الانسان يخلق أفعاله، وهم المعتزلة، وهم المشهورون بالقدرية. ولم ينصب أهل المغرب الجدال في القدر إلا معهم، وكذلك في كتب قومنا.

قال في الصحاح: والجبر خلاف القدر، قال أبوعبيدة: هو كلام مُوَلد، والجبرية (بالتحريك) خلاف القدرية، الخ.

وذكر ثعلب أن الجبرية (بإسكان الباء)، وتقدم الكلام معهم، وسبب تسميتهم بذلك. والثاني: الذين يضيفون أفعالهم إلى قدر الله، ولا يثبتون لأنفسهم كسبا ولا اختيارا، وحملوا ذنوبهم على اللهن وهم الجبرية، فيلزم أن يكون الله ظالما لهم، حيث عذبهم على ما ليس لهم فيه كسب، تعالى عما يقولون علوا كبيرا.

وقد تقدم الرد عليهم، وكلتا الفرقتين على شفا جرف هار، والله أعلم.

١٬٥١٣ / ١٬٩٦٦