الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٩٣عدنا، قال: والمرجئة (تُهمَز ولا تُهمَز) و كلاها بمعنى التأخير، يقال: أرجأت الأمر وأرجيته إذا أخرته، فتقول من الهمز: رجل مرجأ، وهم المرجئة، النسب مُرجِىء، مثل: مُرجِع ومُرجِعة ومُرجِعي، وإذا لم تهمز قلت: رجل مُرج و مُرجية ومُرجِي مثل: مُعطِ ومُعطِية ومُعطِي، انتهى كلامه رواية عن غيره.
قوله: (هي من الله جبار منا)، هكذا فيما رأيناه من النسخ، والمناسب لاعتقادهم أن يقولوا: مُجبِر لنا، ولعله (بضم الجيم، وتخفيف الباء) بمعنى: هدر.
قال في الصحاح: يقال: ذهب دمه جبارا، وفي الحديث "المعدن جبار" أي: إذا انهار على من يعمل فيه لم يؤخذ به مستأجِره، الخ.
ولعل مُرادهم أنهم لم يصدر منهم ما يؤاخذون به، حيث كان ذلك بغير اختيارهم ـ قبحهم الله ـ مع أن الله يقول: ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:129]، ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:96]، إلى غير ذلك.
وأما انتصابه، فلعله حال من الضمير المستتر في الجبر، أي: هي كائنة من الله حال كونها جبارا منا أي: هدرا، والله أعلم.
قوله: «فإن كان صوابا فمن الله»، يعني: فضلا وامتنانا، لأن كل نعمة منه فضل لقوله عز وجل: ﴿مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء:79].
قوله: «وإن يكن خطأ فمني»، أي: كسبا، وأنا السبب فيه، لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾، أي: فأنت السبب فيها، لقوله تعالى ﴿وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةِم بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى:30] ، وقالت عائشة رضي الله عنها: "ما من مسلم يصيبه وَصَبٌ ولا نَصَبٌ حتى الشوكة يُشاكُها و حتى انقطاع شَسْعِ نعله إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر".
قوله: «ومن الشيطان» أي: وسوسة، ولا قدرة له على أكثر من ذلك، وأما الخلق فمن الله، لقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء: 78]، أي: إيجادا وإيصالا، غير أن الحسنة إحسان وامتنان، والسيئة مجازاة وانتقام، فلا منافاة بينه وبين قوله: ﴿مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ [النساء:79]، ففي