الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٩٦قوله: «وَمَنْ كَفَرَ بِحَرْفٍ فَقَدْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ أَجْمَعَ» المراد من الكفر هنا كفر الشرك لأنه مكذِّب لله، والمكذِّب لله مشرك، قال الشيخ أبو نصر رحمه الله:
ومن صادم المنصوص بالردِّ مشرك ***** ومن أخطأ التأويل نافق بالمين
ومن ردَّ حرفا أو رسولا فإنَّه***** بردِّ جميع المرسلين كفرعون
قال الشارح رحمه الله بعد كلام طويل ما نصُّه: مسألة: قال أصحابنا: من أنكر نبيًّا من الأنبياء، أو ملكا من الملائكة، أو حرفا من كتاب الله، أو فريضة من المنصوصات فهو مشرك، كمن أنكر الله وملائكته وكتبه ورسله؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 123] في أمثالها من القرآن، فأخبر أنهم كذَّبوا جميع رسله بتكذيبهم هودا عليه السلام؛ وكذَّبوا الله بذلك لأنَّ ذلك من صفات الله عزَّ وجلَّ يوصف بأنه باعث المرسلين، ومنزل الكتب على النبيئين والمرسلين.
قوله: «إِنَّ هَاتَيْنِ أَفْضَلُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ … » الخ: يُتأمَّل هذا مع ما ورد في بعض الأحاديث عند قومنا، منها: "والجامع أفضل القرآن: ﴿اِلْحَمْدُ للهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ "، ومنها فيه: "أفضل القرآن سورة البقرة، وأعظم آية فيه آية الكرسي، وإنَّ الشيطان ليخرج من البيت إن سمع تُقرأ فيه سورة". وفي حديث آخر: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن، و ﴿قُلْ يَآ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدل ربع القرآن، مع ما ورد في سورة الكهف ويس والدخان و ﴿إِذَا وَقَعَت﴾ وتبارك الملك، و ﴿إِذَا زُلْزِلَت﴾، وغير ذلك من السور كما هو معلوم.
والظاهر ـ والله أعلم ـ أنه يجاب عن التفضيل في السور بما يجاب به عن التفضيل في الأعمال في نحو: "أفضل الأعمال الصلاة لوقتها"، "أفضل الأعمال برُّ الوالدين والجهاد في سبيل الله"، "أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورا، أو تقضي عنه دينا، أو تطعمه خبزا"، إلى غير ذلك من الأحاديث.
وقد ذكر في الجامع من ذلك شيئا كثيرا، قال الشارح العلقمي: قال العلماء: اختلاف الأجوبة في ذلك باختلاف الأحوال واحتياج المخاطبين، وَذَكَرَ ما لا يعلمه السائل والسامعون، وَتَرَكَ ما علموه.