حاشية الترتيب على الجامع الصحيح محمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستة أبو عبد الله، الشهير بـ «المحشي»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٩٧

ويمكن أن يقال: إنَّ لفظة "من" مرادة، كما يقال: "فلان أعقل الناس"، والمراد: مِنْ أعقلهم، ومنه حديث: "خيركم خيركم لأهله"، ومن المعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس … الخ. وأظن أنه تقدم الكلام على هذا.

وممَّا يدلُّ على فضل المعوِّذتين ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بمعوِّذات وينفث، فلمَّا اشتدَّ وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها".

وروى عنها أيضا أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كلَّ ليلة جمع كفَّيه ثمَّ نفث فيهما، فقرأ فيهما ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و ﴿قُلَ اَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلَ اَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثمَّ يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرَّات. وقد تقَّدم الكلام على هذا أيضا. وتكلَّم الشارح العلقميُّ على قوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل القرآن ﴿اِلْحَمْدُ للهِ رَبِّ اِلْعَالَمِينَ﴾ " بكلام طويل لكن أورده لكثرة فوائده:

قال: قال شيخنا: اختلف الناس هل في القرآن شيء أفضل من شيء؟ فذهب الإمام أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاَّني وابن حبَّان إلى المنع؛ لأنَّ الجميع كلام الله، ولئلاَّ يوهم التفضيلُ نقصَ المفضَّل عليه، وروي هذا القول عن مالك. قال: يحيى بن يحيى: تفضيل بعض القرآن على بعض خطأ.

وذهب آخرون إلى التفضيل لظواهر الأحاديث، منهم: إسحاق بن راهوية وأبو بكر بن العربي والغزالي. وقال القرطبيُّ: إنَّه الحقُّ، ونقله عن جماعة من العلماء والمتكلِّمين.

وقال ابن الحطَّاب: العجب ممَّن يذكر الاختلاف في ذلك مع النصوص الواردة بالتفضيل!.

وقال الشيخ عزُّ الدين بن عبد السلام: كلام الله في الله أفضل من كلامه في غيره، فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أفضل من ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾. واختلف القائلون بالتفضيل، فقال بعضهم: الفضل راجع إلى عِظَم الأجر ومضاعفة الثواب بحسب انتقالات النفس وخشيتها وتدبُّرها وتفكُّرها عند ورود أوصاف العَليِّ.

١٬٥١٨ / ١٬٩٦٦