الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٢٩٨وقيل: بل يرجع إلى اللفظ وما تضمَّنه، فقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمُ، إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: 163]، وآية الكرسي وآخر سورة الحشر وسورة الإخلاص من الدلالات على وحدانيَّته وصفاته ليس موجودا مثلا في ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ﴾، وما كان مثلها فالتفضيل إنَّما هو بالمعاني العجيبة وكثرتها. وقال الحليمي ونقله عن البيهقيِّ: يعني التفضيل يرجع إلى أشياء:
أحدها: أن يكون العمل بها أولى من العمل بالأخرى وأَعْوَد على الناس، وعلى هذا يقال: آيات الأمر والنهي والوعد والوعيد خير من آيات القصص؛ لأنها إنما أريد بها تأكيد الأمر والنهى والإنذار والتبشير، ولا غنى بالناس عن هذه الأمور، وقد يستغنون عن القصص، فكان ما هو أعود عليهم وأنفع لهم مما يجرى مجرى الأصول خيرا لهم مما يجعل تبعا لما لا بدَّ منه.
الثاني: أن يقال: الآيات التي تشتمل على تعديد أسماء الله وبيان صفاته والدلالة على عظمته أفضل بمعنى أنَّ مخبراتها أسنى وأجلُّ قدرا.
الثالث: أن يقال: سورة خير من سورة، وآية خير من آية، بمعنى أن القارئ يتعجَّل بقراءتها فائدة سوى الثواب الآجِل، وتتأدَّى منه بتلاوتها عبادة كقراءة آية الكرسي والإخلاص والمعوِّذتين، فإنَّ قارئها يتعجَّل الاحتراز ممَّا يخشى والاعتصام بالله، وتتأدَّى بتلاوتها عبادة الله فيها، من ذكره سبحانه بالصفات العلى على سبيل الاعتقاد لها وسكون النفس إلى فضل ذلك الذكر وبركته.
أقول: والظاهر ـ والله أعلم ـ أنَّ هذا الثالث هو المناسب لرواية المصنِّف رحمه الله، فإنَّ قارئ المعوِّذتين يتعجَّل بقراءتهما سوى الثواب الآجل من التعوُّذ والاحتراز ممَّا يخشى والاعتصام بالله ما لا يحصل بغيرهما؛ ولذلك كان يقرؤهما صلى الله عليه وسلم كلَّ ليلة عند إرادة النوم كما تقدَّم، فكانتا من هذا الوجه أفضل سورة في القرآن وغيره من الكتب، والله أعلم.
عدنا، وقد يقال: إنَّ سورة أفضل من سورة لأنَّ الله جعل قراءتها كقراءة أضعافها ممَّا سواها، وأوجب بها من الثواب ما لم يوجب بغيرها، وإن كان المعنى الذي لأجله بلغ بها هذا المقدار لا يظهر لنا، كما يقال: إنَّ يوما أفضل من يوم، وشهرا أفضل من شهر، بمعنى أنَّ العبادة فيه تَفْضُلُ على العبادة في غيره،